منوعات

51 سنة، بشتغل حكايات رومانى مكرم

أنا رجل عندي 51 سنة، بشتغل في مجال التدليك والعلاج الطبيعي. متجوز بقالى 30 سنة من مراتي سعاد، وهي أكبر مني بسبع سنين، لأنها كانت متجوزة قبلي وعندها بنت. أنا من أول يوم اعتبرت البنت دي بنتي، وربيتها وكبرت قدامي كأنها من دمي. مراتي بقالها 9 سنين مريضة ومش قادرة تتحرك، وده خلاني شايل مسؤوليات كبيرة في البيت لوحدي. بنتها اسمها ريم، عندها 28 سنة، متجوزة وعندها 3 أطفال. من حوالي سنة، حصل لها حادثة وهي بتشتغل في البيت، وقعت على ضهرها وقعة قوية، ومن بعدها بقت تعاني من آلام شديدة في الضهر والرقبة والرجلين.

الألم كان صعب جدًا لدرجة إنها ما بقتش قادرة تقف أو تعتمد على نفسها. دخلت المستشفى، وأخدت مسكنات وعلاج، لكن للأسف مفيش تحسن ملحوظ. سألت الدكتور المختص عن حالتها، وهل العلاج الطبيعي ممكن يفيدها، فقال لي إن ده من أفضل الحلول في حالتها. وقتها فكرت إن بدل ما تروح لمكان غريب أو حد تاني، أنا أولى أعالجها بنفسي بحكم شغلي، وكمان أوفر عليها تكلفة العلاج. وكان كل تفكيري وقتها نابع من إني بساعدها كأب، مش أكتر.

بدأت أول جلسة علاج في بيتها، حوالي الساعة عشرة الصبح. استقبلتني بشكل عادي، وقعدنا نفطر سوا الأول، وبعد كده جهزت المكان المناسب للعلاج، والأدوات اللي محتاجها. طلبت منها تتمدد عشان أبدأ الجلسة، وبدأت أشتغل على مناطق الألم باستخدام الجهاز في الأول، وبعدها باستخدام إيدي بشكل تدريجي. #الكاتب_رومانى_مكرم خلال الجلسة، كانت بتتألم جدًا، وده كان طبيعي بسبب شدة الإصابة، فكنت بهديها وأشجعها تتحمل، واطمنها إن الألم ده مؤقت وهيخف مع الوقت. استمرت الجلسة حوالي ساعة، وبعد ما خلصنا، ساعدتها تقوم وترتاح، وطمنت عليها قبل ما أمشي، واتفقنا إني أرجعلها تاني بالليل عشان نكمل العلاج.

رجعت بيتي شوية، وخلصت شغلي، ولما جه المساء، جهزت نفسي وروحتلها تاني علشان نكمل جلسات العلاج. وصلت لبيتها في الموعد المسائي، كانت الأجواء أهدأ بكتير، والأولاد نايمين، وده وفّر لنا هدوء كنت محتاجه عشان أركز في الجلسة التانية. ريم كانت لسه حاسة بتعب الجلسة الأولى، وده شيء كنت متوقعه، لأن العضلات لما بتبدأ تستجيب للمساج العلاجي بتمر بمرحلة من “تكسير” التشنجات القديمة.

بدأنا الجلسة التانية، وكنت المرة دي بركز أكتر على فقرات الظهر السفلية لأن الألم هناك كان مسمّع في رجليها ومأثر على حركتها. كنت بستخدم زيوت طبيعية دافئة عشان أساعد الأنسجة إنها تطرى تحت إيدي. ريم كانت في البداية متوترة من الألم، لكن مع الوقت بدأت أنفاسها تنتظم وبدأت تحس براحة نسبية.

في نص الجلسة، بدأت ريم تفضفض لي عن تعبها النفسي قبل الجسدي؛ اتكلمت عن إحساسها بالعجز وهي مش قادرة تخدم ولادها، وعن خوفها إنها تفضل كدة طول عمرها. كنت بسمع لها باهتمام وأنا شغال، وبطمنها بكلمات أبوية إن الأزمة دي شدة وهتزول، وإن ربنا جعلني سبب في تخفيف وجعها لأني أكتر واحد خايف على مصلحتها.

استمريت في الضغط على نقاط معينة في الرقبة عشان أخفف الصداع اللي كان ملازمها من وقت الحادثة. لاحظت إن استجابة جسمها في الجلسة المسائية كانت أفضل بكتير، والعضلات بدأت تفك تدريجيًا. خلصت الجلسة بعد حوالي ساعة وربع، وساعدتها إنها تتغطى كويس عشان جسمها ما يتعرضش لأي تيار هواء بارد بعد المجهود ده.

قبل ما أمشي، قعدت معاها شوية نشرب حاجة دافئة، وكنت براجع معاها التعليمات اللي لازم تعملها تاني يوم الصبح، زي حركات تمدد بسيطة وهي في السرير. كانت نظرات الامتنان في عينيها واضحة، وده خلاني أحس بمسؤولية أكبر تجاهها. ودعتها واتفقنا إني همر عليها اليوم اللي بعده في نفس المواعيد عشان نثبّت التحسن اللي حصل. روحت بيتي وأنا بفكر في الجدول الزمني اللي محتاجه عشان ترجع تقف على رجليها بجد، وكنت بحسب في دماغي عدد الجلسات المكثفة اللي هتحتاجها خلال الأسبوعين الجايين، خصوصًا إن حالتها كانت أصعب مما تخيلت في البداية.

مرت الأيام الخمسة الأولى من العلاج بنظام دقيق، كنت بروح لريم مرتين في اليوم، والتحسن بدأ يظهر بوضوح؛ ملامح وشها المجهدة بدأت ترتاح، وقدرتها على فرد ضهرها زادت. وفي اليوم السادس، قررت إني أزود جرعة التمارين الحركية مع التدليك عشان نختبر مرونة الأعصاب اللي كانت مضغوطة. وصلت عندها الصبح، ولقيت معنوياتها مرتفعة جداً، لدرجة إنها قدرت تقوم من السرير وتقعد على الكرسي لوحدها قبل ما أوصل. بدأنا الجلسة بتمارين النفس العميق، وبعدها انتقلنا لمرحلة الضغط العميق على عضلات الفخذ والركبة، لأنها كانت بتشتكي من “تنميل” مستمر بيمنعها من التوازن.

خلال الشغل، لاحظت إن ريم بدأت تعتمد عليا بشكل كلي، مش بس كمعالج، لكن كسند نفسي. بدأت تحكي لي عن تفاصيل يومها مع جواد زوجها، وإزاي هو مضغوط في شغله ومش قادر يستوعب حجم ألمها، فكنت بحاول أهدي الأمور بينهم وأنصحها بالصبر. في اللحظة دي، حسيت إن دوري كأب ومربي اختلط بدوري كطبيب، وبقيت حريص جداً إني أحافظ على المسافة المهنية رغم العاطفة الأبوية القوية اللي جوايا.

في نهاية الجلسة الصباحية، طلبت مني ريم طلب غريب شوية؛ قالت لي إنها محتاجة تمشي خطوات بسيطة في الطرقة بس خايفة تقع، وطلبت إني أسندها. وافقت طبعاً، ومسكت إيديها وبدأت تمشي ببطء شديد. كانت كل خطوة بتمشيها بتمثل لي انتصار شخصي، وكنت بشجعها بكل حماس. لما جه الليل، روحت لها عشان الجلسة المسائية الختامية للأسبوع الأول. كانت الأجواء فيها نوع من الهدوء الممزوج بالترقب. ريم قالت لي إنها حاسة إن “إيدي فيها البركة”، وإنها بدأت تستعيد إحساسها بجسمها تاني. اشتغلنا في الجلسة دي على تدليك استرخائي شامل عشان نريح الجسم من مجهود المشي اللي عملته الصبح.

قبل ما أخلص الجلسة، سألتني ريم سؤال مفاجئ: “يا بابا، تفتكر لو كنت روحت لحد غريب، كان هيصبر عليا ويحس بوجعي زيك؟”. السؤال ده خلاني أسكت لحظة، وبصيت في عينيها وطمنتها إن مفيش حد في الدنيا ممكن يخاف عليها زيي. لكن في اللحظة دي، وأنا بلم أدواتي عشان أمشي، حسيت إن العلاقة العلاجية دي بدأت تاخد منحنى أعمق بكتير من مجرد جلسات تدليك، وإن الأيام اللي جاية هتكون هي الاختبار الحقيقي لقدرتها على الشفاء التام والاعتماد على نفسها.

ودعتها وأنا مخطط إني هديها راحة يومين قبل ما نبدأ المرحلة التانية والأصعب من التأهيل الحركي الشامل. بدأت المرحلة الأخيرة من العلاج، وكان التحدي الأكبر هو إعادة ريم لحياتها الطبيعية بدون مساعدة. في آخر جلسة، لم أركز فقط على تدليك العضلات، بل ركزت على تقوية إرادتها. طلبت منها أن تقف وحدها في منتصف الغرفة، ورغم ترددها وخوفها، كنت أقف بعيداً عنها بضع خطوات وأقول لها: “اعتبريني الأمان اللي في ضهرك، لكن لازم تمشي بخطواتك إنتي”.

وبالفعل، وبفضل الله ثم المجهود المشترك، بدأت ريم تتحرك بسلاسة، واختفى التنميل والآلام الحادة التي كانت تطاردها. في تلك اللحظة، رأت ابنتها الصغيرة وهي تركض نحوها، فانحنت ريم ورفعتها وضمتها إلى صدرها؛ كان هذا المشهد هو المكافأة الحقيقية لكل تعبي. نظرت إليّ والدموع في عينيها وقالت: “أنت أحييت فيّ الأمل من جديد”. عدت إلى بيتي وجلست بجانب زوجتي سعاد، التي كانت تتابع رحلة علاج ابنتها من خلال كلامي، ورأيت في عينيها فخراً وراحة لا يوصفان. رغم كبر سني ومسؤولياتي الثقيلة، شعرت بخفة غريبة في قلبي، وكأن وجع ريم الذي زال، قد أزاح عني هماً ثقيلاً.

### **الحكمة من القصة** البيوت لا تُبنى فقط بالجدران، بل تُبنى **بالأمان والعطاء الصادق**. إن صلة القرابة ليست بالدم دائماً، بل بالمواقف التي نثبت فيها أننا “سند” لمن نحب في أشد لحظات ضعفهم. لقد علمتني هذه التجربة أن **الرحمة هي أقوى أنواع العلاج**، وأن المهنة عندما تمتزج بالأبوة والإخلاص، تتحول من مجرد وظيفة إلى رسالة إنسانية تُرمم الأرواح قبل الأجساد. فمن بذل المعروف في أهله، حصد السكينة في قلبه، ويبقى الخير الذي نزرعه في نفوس من حولنا هو الأثر الوحيد الذي لا يمحوه الزمن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى