منوعات

الندم حكايات ندى الجمل

بعد خمس سنين من اليوم اللي سابها تمشي فيه، راح كريم منصور—رجل أعمال غني جدًا—المستشفى يزور أمه… واتصدم لما شاف طليقته، اللي كان فاكرها مستحيل تخلف، واقفة وماسكة إيدين توأم شبهه بالظبط.
اللي فضل مطارده بعد كده… مش ريحة المطهر في الممر، ولا صوت المطر اللي بيخبط في الشبابيك، ولا طعم القهوة الوحش اللي في كوبايات الورق جنب مكتب التمريض…
لا.
هو افتكر الولاد الأول.
شعرهم الغامق… وشوشهم الصغيرة الجدية… وحواجبهم.
حواجبه هو.
عينينه.
وبوقهم المايل ناحية الشمال شوية… نفس الابتسامة اللي فيها حزن وسخرية في نفس الوقت.

كريم وقف فجأة لدرجة إن واحد خبط فيه من ورا وقاله متضايق: “خلي بالك يا أستاذ!”
بس كريم ما ردش.
ما قدرش يتحرك أصلاً.
على بعد كام خطوة، جنب الأسانسير، كانت واقفة ندى… ومعاها ولدين، واحد على يمينها والتاني على شمالها.
شعرها مربوط بطريقة بسيطة، ولبسها عادي جدًا، ومعالم التعب باينة على وشها… تعب ست شايلة المسؤولية لوحدها، بتحسب كل جنيه وكل دقيقة.
من خمس سنين، ندى كانت ندى منصور.
مراته.
الست اللي كانت بتنام على كتفه وهو سايق بالليل…

واللي كانت تضحك وهي حافية في المطبخ الساعة اتنين الفجر وهي بتحاول تعمل بان كيك… واللي كانت بتعـ,ـيط في الحمام لما نتيجة تحليل الحمل تطلع سلبية.
الست اللي طلقها… لما البيت بقى مليان سكوت، ودكاترة، واتهامات، وكبرياء.
بس الولاد…
نَفَس كريم اتخنق.
شكلهم حوالي أربع سنين. توأم.
واحد فيهم واقف بثقة، باصص لكريم كأنه بيفحصه… والتاني مستخبي في حــ,,ـــــضن ندى شوية، هادي ومتمسك بإيدها.
كريم حس إن الدنيا بتتهد تحت رجليه.
قال بصوت ناشف: “ندى؟”
بصتله.
ولثانية واحدة… الزمن رجع بيهم ورا.
الفيلا الكبيرة… الأرضيات الرخام… الدكاترة…

المناسبات اللي كانت بتضحك فيها زيادة عن اللزوم قدام الناس… وأمه اللي كانت بتراقبها… وأبوه اللي كان باصص لها باستعلاء…
ليلة الطلاق… لما مضى الورق من غير ما يبصلها… عشان كان خايف نظرة واحدة منها تكـ,ـسره.
الثانية دي عدت.
وش ندى اتغير وبقى جامد.
قالت ببرود: “إنت ماينفعش تكون هنا.”
لا سلام… ولا دهشة… ولا أي دفا.
كأن باب اتقفل.
كريم بص للولاد تاني: “مين دول؟”
الولد الجريء مال راسه وقال: “يا ماما… هو ليه شبهنا؟”
ندى شدت على إيديهم: “يوسف… لو سمحت.”
الاسم رن في ودن كريم.
يوسف.

الولد التاني قرّب منها أكتر.
كريم خد خطوة لقدام: “ندى…”
قالت بسرعة وبصوت واطي فيه خوف: “ما تعملش كده… مش قدامهم.”
كريم ضحك ضحكة ناشفة: “قدامهم؟! يا ندى… دول شبهّي!”
ناس في المكان بدأت تاخد بالها.
ممرضة بطّأت مشيها.
ندى لاحظت… زي دايمًا.
قالت: “عندنا ميعاد. وسّع من قدامنا.”
كريم ما اتحركش.
هو عمره ما طلب إذن من حد… ولا حتى وهو واقف قدام ناس تقيلة ومهمة.
بس المرة دي… لقى نفسه بيقول:
“لو سمحتي.”
الكلمة دي… غيرت حاجة صغيرة في وشها.
مش كفاية عشان تليّن…

بس كفاية عشان الألم يبان.
قالت بصوت مكسور: “إنت مالكش حق… تظهر بعد خمس سنين وتقول لو سمحتي… كأن مفيش بينا تاريخ.”
الولد شد إيدها تاني وقال: “ماما… هو ده الراجل اللي في الصورة؟”

كريم اتجمّد مكانه.
“صورة؟”
صوته طلع واطي… بس مليان صدمة.
بص لندى… وبعدين للولاد… وبعدين رجع لها تاني، كأنه مستني تكـ,ـذّب.
ندى قفلت عينيها لحظة، وكأنها بتحاول تلم نفسها.
“يوسف… مش دلوقتي.”
بس الولد ما سكتش.
بالعكس… بص لكريم بثبات غريب وقال:
“الصورة اللي في درجك… اللي بتعيّطي عليها.”
الصمت نزل تقيل جدًا.
كريم حس إن قلبه وقع.
“ندى…” صوته اتهز، “إيه اللي بيحصل؟”
قبل ما ترد… ممرضة نادت:
“مدام منصور؟ والدتك فاقت وبتسأل عليك.”
الكلمة ضــ,,ـــــربت الاتنين.
منصور.
اسمها القديم.

كريم عينيه وسعت، وبص للممرضة… وبعدين لندى.
بس ندى اتحركت بسرعة.
نزلت لمستوى الولاد وقالت بهدوء: “اقعدوا هنا دقيقة… وما تكلموش حد. تمام؟”
الولد الهادي هز راسه فورًا.
يوسف فضل باصص لكريم… كأنه مش قادر يبعد عينه عنه.
ندى قامت ولفّت لكريم:
“تعالى.”
المرة دي… كريم مشي وراها من غير ما يفكر.
وقفوا في ركن بعيد.
أول ما وقفوا، قال مباشرة:
“دول ولادي؟”
ندى ما لفّتش ولا حاولت تهرب.
قالت بهدوء موجع: “آه.”
الكلمة وقعت عليه كأنها ضــ,,ـــــربة.
رجع خطوة لورا: “إنتي قولتي إنك…”
قاطعتُه:

“إني ما بخلفش؟ أيوه… ده اللي الدكاترة قالوه وقتها.”
“يبقى إزاي؟!”
ضحكت ضحكة خفيفة مفيهاش أي فرح: “الدكاترة بيغلطوا يا كريم.”
سكتت لحظة… وبعدين بصت له في عينه لأول مرة بصدق كامل:
“أنا اكتشفت إني حامل… بعد الطلاق بشهرين.”
كريم حس الأرض بتلف.
“وما قولتيليش؟!”
سؤال طلع منه كأنه اتهام… بس في الحقيقة كان وجع.
ندى ردت بسرعة، لأول مرة صوتها يعلى شوية:
“أقولك إيه؟! إنك سيبتني عشان شايفني ناقصة؟! إنك ما استحملتش حتى تكمل معايا؟!”
نَفَسها بقى سريع… وعينيها لمعت:
“إنت ما سبتليش فرصة أقولك حاجة أصلاً.”

كريم سكت.
الكلام دخل فيه زي السكــ,,ـــــينة.
ندى كملت أهدى… بس أوجع:
“أنا حاولت أتواصل معاك… رقمك اتغير… سكرتيرتك كانت بتقولي حضرتك مشغول… وبعدين فهمت الرسالة.”
“أي رسالة؟”
“إنك خلصت.”
قالتها ببساطة قاتلة.
“وإن وجودي… ما بقاش ليه مكان في حياتك.”
كريم بلع ريقه بصعوبة.
“ودلوقتي؟” سألها بصوت واطي، “دلوقتي ليهم مكان؟”
ندى بصت ناحية الولاد من بعيد… ووشها لان لحظة:
“هما حياتي كلها.”
رجعت بصت له تاني:
“بس إنت… موضوع تاني.”
كريم قال بإصرار: “أنا أبوهم.”
ندى هزت راسها ببطء: “بيولوجيًا… آه.”

الكلمة دي وجعته أكتر من أي حاجة.
“يعني إيه؟!”
“يعني الأب مش بس اسم يا كريم… الأب حضور… سند… أمان.”
سكتت لحظة، وبعدين قالت بهدوء قاسي:
“وإنت ما كنتش موجود.”
كريم حس إنه لأول مرة في حياته… مش عارف يرد.
مش عارف يدافع.
مش عارف حتى يغضب.
قال بصوت مكسور: “كنت هكون موجود… لو كنت أعرف.”
ندى سكتت.
والسكوت المرة دي… كان أخطر من أي رد.
بعد لحظات، قالت:
“أمك عايزة تشوفك.”
كريم بص لها بصدمة: “إيه دخل أمي؟”
ندى ابتسمت ابتسامة غريبة… فيها سر:

“هي اللي عرفت.”
“عرفت إيه؟!”
ندى قربت خطوة… وصوتها بقى واطي جدًا:
“إن عندك ولاد.”
قلب كريم وقف.
“إزاي؟!”
ندى ردت بكلمة واحدة… غيرت كل حاجة:
“منها.”
كريم اتجمد: “تقصدِي… إيه؟”
ندى قالت ببطء، وكل حرف تقيل:
“أمك… كانت عارفة إني حامل.”
الصمت اللي جه بعد الجملة دي… كان مرعب.
كريم حس إن الدنيا كلها بتنهار حواليه.
“مستحيل…”
ندى بصت له في عينه: “ادخل لها… واسألها بنفسك.”
وبعدين لفت ومشيت ناحية الولاد.
كريم فضل واقف مكانه…
مش قادر يتحرك…
ولا يستوعب…

لحد ما بدأ يمشي… خطوة تقيلة ورا خطوة… ناحية أوضة أمه…
وقلبه بيدق بسؤال واحد:
هي أمه خبّت عنه ولاده… ليه؟

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى