إيد كريم كانت على مقبــ,,ـــــض الباب… بس ما فتحش فورًا.
وقف لحظة… بياخد نفس تقيل… كأن الباب ده مش أوضة مستشفى، لكن باب لحقيقة هتغيّر حياته كلها.
وبعدين… فتح.
ريحة الدوا خبطت في وشه.
أمه—مدام ليلى منصور—كانت نايمة نص نايمة، أجهزة حوالين السر,,ـــــير، وشها شاحب… بس عينيها أول ما شافته، فتحت فورًا.
“كريم…”
صوتها كان ضعيف… بس فيه نفس القوة القديمة.
قرب منها ببطء.
“ماما…”
سكت ثانية… وبعدين قالها مباشرة من غير لف:
“إنتي كنتي عارفة؟”
عينيها اتهزت… نظرة صغيرة، بس ما فاتتش عليه.
“عارفة إيه؟” حاولت تتهرب.
كريم قرب أكتر، وصوته بقى أخطر:
“إن ندى كانت حامل.”
الصمت.
الأجهزة بس هي اللي بتطلع صوت.
ليلى بصت بعيد عنه… وكأنها مش قادرة تبص في عينه.
وده كان الرد.
كريم حس الدم بيغلي في عروقه:
“كنتي عارفة!”
صوته علي فجأة، خلى الممرضة تبص من برا، بس ما دخلتش.
“كنتي عارفة إن عندي ولاد… وسكتي؟!”
ليلى غمضت عينيها، دمعة نزلت على خدها:
“كنت بحميك.”
كريم ضحك ضحكة كلها غضب:
“بتحميني؟! من إيه؟ من عيالي؟!”
فتحت عينيها وبصت له لأول مرة بحدة:
“منها!”
الصمت رجع…
بس المرة دي تقيل أكتر.
كريم اتجمد: “من ندى؟”
ليلى نفسها بقى أسرع، وصوتها رجع فيه شوية قوة:
“أيوه. البنت دي كانت هتدمر كل حاجة بنيتها لك.”
“إنتي بتقولي إيه؟!”
“أنا عارفة هي مين… وعارفة أصلها إيه… وعارفة إنها كانت شايفاك فرصة.”
كريم هز راسه بعدم تصديق: “إنتي ظلــ,,ـــــمتيها…”
ليلى قاطعته بسرعة: “أنا شوفت التحاليل! شوفت بعيني إنها…”
وقفت فجأة.
كريم ركّز: “إنها إيه؟”
ليلى سكتت.
وده خلّى قلبه يدق أسرع.
قرب منها أكتر: “كمّلي.”
بصت له… والندم باين لأول مرة بوضوح:
“التحاليل اللي جات وقتها…
قالت إنها مستحيل تخلف.”
كريم قال بحدة: “وطلع غلط!”
“مش غلط…”
الجملة دي خلت كل حاجة تقف.
كريم حس برعشة: “يعني إيه مش غلط؟”
ليلى بصت له… وقالت الحقيقة اللي كانت مخبياها سنين:
“أنا… اللي خليتها تبان كده.”
الصمت بقى مرعب.
كريم ما فهمش الأول.
“يعني إيه؟”
ليلى همست: “بدّلت النتائج.”
الدنيا وقفت.
كريم رجع خطوة… كأن الأرض بتتهد.
“إنتي… عملتي إيه؟”
دموعها نزلت: “دفعت للدكتور… غير التقرير… خلتك تصدق إنها عقيم… علشان تبعد عنها.”
كريم حس إن نفسه اتسحب.
“إنتي… فرّقتي بيني وبين مراتي…
وخبيتي عني ولادي؟!”
ليلى بكت: “كنت فاكرة إني بعمل الصح… كنت خايفة تضيع مستقبلك…”
“مستقبلي؟!” صرخ، “إنتي دمّرته!”
سكتت… مفيش رد.
كريم بص لها… وكل حاجة جواه بتتكسر:
“أنا عشت خمس سنين فاكر إني مش هبقى أب… وهي كانت بتربي ولادي لوحدها…”
صوته اتكسر لأول مرة:
“لوحدها يا ماما…”
ليلى حاولت تمسك إيده: “سامحني…”
كريم سحب إيده بسرعة.
“أنا مش عارف أسامح نفسي أصلاً.”
لف ناحية الباب… بس وقف قبل ما يخرج.
ومن غير ما يبصلها، قال:
“أنا رايح لولادي.”
وخرج.
خطواته سريعة… قلبه بيدق…
الدنيا حواليه مش واضحة.
أول ما وصل للمكان اللي سايبهم فيه…
شاف ندى.
قاعدة على كرسي… والولدين في حــ,,ـــــضنها، واحد نايم والتاني بيحكيلها حاجة.
ضحكت.
الضحكة دي… كانت كفيلة تكسره أكتر.
وقف قدامهم.
ندى رفعت عينيها… وشافت كل حاجة في وشه.
عرفت.
من غير ما يقول.
“عرفت؟” سألت بهدوء.
كريم هز راسه… وعينيه على الولاد:
“دول… كل حياتي اللي ضاعت.”
ندى ردت بهدوء مؤلم: “لا… دول حياتك اللي لسه قدامك.”
بص لها… لأول مرة من سنين… من غير كبرياء… من غير مسافات:
“ممكن…
تسمحيلي أكون جزء منها؟”
الولد الصغير صحي، وبص لكريم…
وقال ببساطة:
“إنت هتقعد معانا؟”
كريم حس دموعه هتنزل.
ركع قدامهم ببطء…
وقال بصوت مكسور بس صادق:
“لو مامتكم سمحتلي… هافضل.”
ندى بصت له… وسكتت.
والقرار… كان لسه في إيدها.
ندى فضلت باصة لكريم… وساكتة.
اللحظة كانت طويلة لدرجة إن صوت أنفاسهم بس هو اللي مسموع.
كريم لسه راكع قدام الولاد… عينيه مليانة رجاء… بس المرة دي مفيهاش أي غـ,ـرور، ولا أوامر، ولا حتى ثقة… مجرد خوف.
خوف يخسرهم… زي ما خسر كل حاجة قبل كده.
يوسف بص لمامته: “ماما… هو زعلان ليه؟”
ندى خدت نفس عميق… وبعدين قالت بهدوء: “عشان في حاجات كبيرة فاتته… وعايز يصلّحها.”
الولد التاني—آدم—قرب شوية من كريم، وبص له بحذر: “إنت بابا؟”
الكلمة وقفت الزمن.
كريم حس قلبه هيقف.
بص لندى… كأنه بيستأذن يرد.
ندى ما اتكلمتش… بس نظرتها كانت كفاية.
كريم رجع بص للطفل… وصوته خرج مهزوز:
“أيوه… أنا بابا.”
آدم سكت لحظة… وبعدين قال ببساطة الأطفال: “إنت اتأخرت قوي.”
الجملة كانت خفيفة… بس وقعت تقيلة جدًا.
كريم ابتسم ابتسامة مكسورة: “عارف… وحقك عليا.”
يوسف دخل في الكلام بسرعة: “طب هتيجي معانا البيت؟”
كريم بص لندى تاني.
المرة دي… ما كانش فيه طلب بس… كان فيه التزام.
ندى قامت ببطء… وخدت خطوة لقدام.
وقفت قدامه مباشرة.
“أنا مش همنعك عنهم.”
قلبه دق أسرع.
“بس…”
الكلمة دي رجعته للواقع.
“بس إيه؟”
ندى بصت في عينه بثبات: “مفيش رجوع للي فات.”
سكتت لحظة… وبعدين كملت:
“أنا مش ندى اللي كانت مستنياك ترجع لها… أنا بقيت مسؤولة عن طفلين… وعن نفسي.”
كريم هز راسه بسرعة: “وأنا مش جاي أرجعك لورا… أنا جاي أحاول أكون موجود من دلوقتي.”
ندى درست وشه كويس… كأنها بتقيس صدقه.
“الولاد دول… مش لعبة يا كريم.”
“عارف.”
“ومش مشروع تعويض عن ذنب.”
“عارف.”
“ومش هسمح إنهم يتوجعوا تاني.”
كريم قرب خطوة… وصوته بقى أهدى:
“ولا أنا.”
الصمت رجع… بس المرة دي كان أهدى.
يوسف قطع الجو: “طب نروح بقى؟ أنا جعان.”
ندى ابتسمت غصب عنها.
كريم ضحك ضحكة خفيفة لأول مرة من قلبه.
“نروح.”
وقف… وبص للولاد: “تيجوا نمشي سوا؟”
آدم مد إيده بتردد… كريم خدها بحذر، كأنه ماسك كنز.
يوسف مسك إيده التانية بثقة أكتر.
واللحظة دي… كانت أول مرة يحس إنه أب بجد.
بدأوا يمشوا سوا في الممر.
ندى كانت ماشية جنبهم… مش بعيدة، ومش قريبة قوي.
بس موجودة.
وده كان كفاية كبداية.
قبل ما يخرجوا من باب المستشفى… كريم وقف لحظة.
بص لندى وقال بهدوء:
“أنا عارف إني ضيعت كتير… بس لو في يوم…”
سكت.
ندى رفعت حاجبها: “لو في يوم إيه؟”
كريم ابتسم ابتسامة صغيرة: “لو في يوم سامحتيني… مش هرجع لنقطة الصفر… أنا هبدأ من تحت خالص… وأطلع لحد ما أستاهلكم.”
ندى بصت له… وسكتت شوية.
وبعدين قالت جملة بسيطة… بس كانت بداية كل حاجة:
“نشوف.”
ابتسم.
لأول مرة… ابتسامة فيها أمل.
والباب اتفتح قدامهم…
مش لنهاية القصة…
لكن لأول مرة…
لبداية حقيقية.
