كانت هبة تنهار من الخوف، ظناً منها أن نورا ستقوم بفضـ,ـحهما في أي لحظة. بدأت هبة تفقد وزنها، وأصبحت تخشى النظر في عين نورا. ### المفاجأة المدوية في نهاية الأسبوع، أعلنت نورا عن مفاجأة للجميع خلال اجتماع العائلة. وقفت وقالت بصوت مسموع: — “بمناسبة رجوع خاتمي الغالي، أنا قررت أعمل عزومة كبيرة في بيت ماما سعاد، وهعزم فيها “خبير” يثمن كل دهب هبة وشبكتها عشان نطمن مدحت إن عروسته داخلة بذهب أصلي ومحترم.”
هنا، سقطت “السبحة” من يد الحاجة سعاد، وشعرت أن أنفاسها تضيق. نورا لم تكن تريد الفضـ,ـيحة فقط، بل كانت تخطط لشيء أكبر سيجعل سعاد وهبة يطلبان الرحمة منها علانية أمام الجميع. إليك الجزء الرابع من حكايات **روماني مكرم**، بعنوان: **”ليلة الحساب والمعدن الأصيل”**. ### ليلة “العزومة” المرتقبة جاء موعد العزومة التي أعلنت عنها نورا. كان البيت يضج بالروائح الشهية، لكن التوتر كان يملأ الأركان. الحاجة سعاد كانت تتحرك كآلة محطمة، وهبة ترتدي فستانها ويدها ترتعش وهي تضع مساحيق التجميل لعلها تخفي شحوب وجهها.
دخلت نورا بطلة ملكية، مرتدية خاتمها الألماظ الذي كان يتلألأ وكأنه عين تراقب الجميع. وبجانبها زوجها عمر الذي كان سعيداً بعودة “المياه لمجاريها” بين زوجته وأمه، دون أن يدري أن تحت الرماد ناراً تحرق. ### وصول “الخبير” في منتصف السهرة، وبينما كان “مدحت” خطيب هبة يتحدث بفخر عن تجهيزات الشقة، رن جرس الباب. دخل رجل وقور يحمل حقيبة جلدية صغيرة. قالت نورا بابتسامة عريضة: — “أقدم لكم الأستاذ (عزيز)، خبير المجوهرات وصديق والدي الله يرحمه. جيه النهاردة عشان يبارك لهبة، ويبص بصه على شبكتها عشان نتأكد إن كل حاجة تمام.”
ساد صمت رهيب. الحاجة سعاد حاولت التدخل بصوت مبحوح: — “يا بنتي ملوش لزوم، إحنا واثقين في اللي اشترينه.” لكن مدحت، الذي كان يحب المظاهر، قال بتسرع: — “يا ريت يا أستاذ عزيز، دهب هبة كله عيار 21 وغالي جداً.” ### اللحظة الحاسمة وضعت هبة يدها على الطاولة وهي تشعر أنها تُقاد إلى المقصلة. بدأ الأستاذ عزيز يفحص “الدبلة” و”الغوايش” بعدساته المكبرة، ونورا واقفة تراقب تعابير وجه حماتها التي كانت تتصبب عرقاً في ليلة شتوية باردة.
وفجأة، توقف الخبير عند خاتم معين كان في علبة الشبكة، وهو خاتم ظنت هبة أنه ذهب خالص كانت أمها قد أعطته لها لتكمل به المنظر. نظر الخبير لنورا، ثم نظر للحاجة سعاد، وقال بلهجة غريبة: — “الخاتم ده مش دهب يا جماعة.. ده “فالصو” مطلي، وقيمته لا تذكر.” صُعق مدحت، واحمر وجه هبة خجلاً، بينما كادت الحاجة سعاد أن يغمى عليها من الفضيحة أمام نسيبهم. صرخت سعاد: — “إزاي؟ ده أنا شارياه بفلوس كتير!” ### الضـ,ـربة القاضية
هنا تدخلت نورا بهدوء، واقتربت من أذن حماتها وهمست بحيث لا يسمعها غيرها: — “شفتي يا ماما؟ اللي بيسـ,ـرق الألماظ، ربنا بيبتليه بالفالصو. الخاتم ده أنا اللي بدلته في علبة هبة الصبح وإنتي مش واخدة بالك.. شلت الذهب الحقيقي وحطيت ده.” ثم رفعت نورا صوتها أمام الجميع وقالت: — “معلش يا أستاذ عزيز، يمكن حضرتك اختلط عليك الأمر، أو يمكن المحل اللي ماما سعاد اشترت منه غشها.. بس عشان ميبقاش فيه زعل في الليلة دي، أنا عندي حل.”
أخرجت نورا من حقيبتها علبة قطيفة حمراء، وفتحتها ليظهر فيها طقم ذهب كامل يخطف الأنفاس. وقالت: — “ده هدية مني لهبة بمناسبة خطوبتها، عشان ميبقاش فيه “فالصو” في عيلتنا أبداً، وعشان الكل يعرف إن اللي بيجي بالحق بيفضل، واللي بيجي بالغـ,ـدر بيصدي.” ### تحت السيطرة الكاملة انتهت الليلة بمديح كبير لنورا وأخلاقها وكرمها. مدحت انبهر بنورا، وعمر كاد يطير من الفخر بزوجته. لكن خلف الأبواب المغلقة، كانت الحاجة سعاد وهبة يرتجفان. دخلت نورا عليهما الغرفة قبل أن ترحل، وقالت لهما بلهجة قاطعة:
— “الذهب الحقيقي بتاع هبة معايا، ومش هيرجع غير يوم الفرح.. ولحد اليوم ده، البيت ده يمشي بكلمتي أنا. الطلبات اللي هطلبها، والمصاريف اللي هحددها، والزيارات اللي هسمح بيها.. مفهوم؟” أومأت الحاجة سعاد برأسها بالموافقة وهي مكسورة العين، فقد أدركت أن نورا لم تكسر الخاتم، بل كسرت كبرياءها للأبد. **