منوعات

حكايات نور محمد

فجأة، سمعت صوت خبط خفيف على الخشب بتاع المنور المستخبي ورا الدولاب. خبط منتظم.. “تك.. تك.. تك”. قربت من الخشب وسألت بصوت مخنوق: “مين؟” جالي رد بصوت راجل عجوز، واطي جداً: “يا بنتي.. أنا عم “عبده” البواب، أنا عارف إن في حاجة غلط في الشقة دي من شهور.. الأستاذ عمر كان بيطلع شنط أكل ولبس غريبة.. إنتي سامعاني؟” دموعي نزلت من الفرحة: “يا عم عبده، الحقني، عمر حبسني وجاب واحدة تانية مكاني.. بلغ البوليس!”

رد عم عبده بخوف: “البوليس هيقول عليا مجنون يا بنتي، الأستاذ عمر مأكد للكل إنك في المستشفى بتتعالجي.. اسمعيني، المنور ده ملوش شباك بس الخشب ده قديم ومسوس، حاولي تزقيه بقوة، وأنا هكون مستنيكي تحت بملايات قديمة تسندي عليها.” بدأت أزق الدولاب بكل قوتي، وجسمي بيرتعش من الخوف إن عمر يسمع الصوت. وبمجرد ما الدولاب اتحرك، بدأت أخبط في الخشب بظهر الكرسي اللي كان في الأوضة. وفي اللحظة اللي الخشب بدأ يتكسر فيها، سمعت صوت مفتاح الباب بيتحرك..

الباب اتفتح، وعمر كان واقف، والضوء اللي وراه مخلي ملامحه ضلمة تماماً، وفي إيده “سرنجة” المهدئ.. بص للخشب المكسور وبصلي بابتسامة مرعبة وقال: “كنت عارف إنك مش هتستسلمي بسهولة يا مريومة.. بس للأسف، مفيش عم عبده تحت، ده كان “تسجيل” أنا اللي مشغله عشان أشوف هتفكري تهربي إزاي.” وقبل ما أصرخ، هجم عليا.. وفي اللحظة دي، النور قطع تاني! في قلب الضلمة اللي غطت المكان، عمر فقد توازنه لثوانٍ بسبب المفاجأة. استغليت اللحظة دي وبكل قوتي زقيته في صدره، وقع لورا والسرنجة طارت من إيده. مجريتش ناحية الباب، لأني عارفة إن “نور” واقفة بره ومستنية، جريت ناحية “المنور” المكسور.

مفكرتش في الارتفاع ولا في المو.ت، رميت نفسي في الفراغ وأنا مغمضة عيني، بس حظي كان من السما؛ المنور كان مليان حبال غسيل قديمة وشبك حماية بتاع الدور اللي تحتي، جسمي اتخبط بقوة في الشبك بس مكنتش حاسة بالوجع من كتر الأدرينالين. نزلت الدور اللي تحتي، كان شقة فاضية تحت الإنشاء. دخلت من الشباك المفتوح، وجريت على السلم وأنا حافية ولبسي مبهدل. وأنا نازلة، سمعت صرخة “نور” من فوق وهي بتنادي بانهيار: “عمر! مريم هربت.. لو اتمسكت إحنا الاتنين هنروح في داهية!”

خرجت للشارع في عز ليل “أسيوط” الهادي، مكنتش عارفة أروح فين، ومخي مش قادر يجمع مين من قرايبي هيصدقني ومين هيفتكرني مجنونة زي ما عمر رسم الخطة. فجأة، شفت عربية “نيسان” سوداء واقفة بعيد، والأنوار بتاعتها بترعش (فلاشر). قربت من العربية بخوف، الباب اتفتح وطلعت منه ست ملامحها قاسية جداً بس لابسة غالي جداً، وبصتلي ببرود وقالت: “اركبي يا مريم.. أنا كنت مستنية اللحظة اللي هتفشلي فيها مشروع عمر.” ركبت وأنا بترعش وسألتها: “إنتي مين؟ وتعرفي عمر منين؟”

الست ضحكت ضحكة صفرا وهي بتتحرك بالعربية بسرعة: “أنا اللي كنت بتمول المشروع ده.. أنا اللي دفعت فلوس عمليات التجميل لـ (نور) عشان تبقى نسخة منك، بس الحقيقة هي مش أختك ولا حاجة، دي كانت مجرد (كومبارس) فاشلة عمر لقاها وقرر يصنع منها معجزة.” لفيت وشي ليها بذهول: “يعني إيه؟ وليه بتساعديني دلوقت؟”

بصتلي وقالت بنبرة تخوف: “عشان عمر خانني أنا كمان.. كان المفروض المشروع يخلص وإنتي تختفي تماماً ونور تستلم حياتك وتديني نصيب من ثروة والدك اللي عمر كان بيحاول يسيطر عليها، بس عمر قرر يخلي نور ليه ويخلص مني أنا كمان.. وبما إن عدو عدوي حبيبي، فأنا هساعدك تهدّي المعبد على دماغهم.” طلعت من التابلوه ملف كبير وحطته في حجري: “دي الأوراق الرسمية، وعقود بيع أملاكك اللي عمر زورها بتوقيع نور اللي اتمرنت عليه شهور.. ومعاهم تسجيلات صوتية لعمر وهو بيخطط لكل ده.”

حسيت إن الحق بدأ يرجع، بس الست كملت كلامها وهي بتبص في المراية بخوف: “بس في مشكلة يا مريم.. عمر مش لوحده، عمر معاه (حد) واصل جداً هو اللي كان بيغطي على كل البلاوي دي.. والحد ده دلوقت وراكي بالظبط.” بصيت ورايا من الشباك، شفت عربية عمر جاية ورانا بسرعة جنونية، ونور قاعدة جنبه وماسكة في إيدها “مسدس”. عمر مكنش ناوي يحبسني المرة دي، عمر كان ناوي ينهي القصة للأبد.

الست صرخت: “تمسكي كويس!” وكسرت الدريكسيون فجأة ودخلت في طريق زراعي ضلمة، والعربيتين بقوا في سباق مو.ت بين الزرع. وفجأة، الست وقفت العربية مرة واحدة وقالتلي: “انزلي استخبي في وسط القصب.. الملف ده ميتسرقش منك، ده حبل المشنقة بتاعهم.” نزلت وجريت وسط القصب والشرر بيطير من عيني، سمعت صوت فرامل عربية عمر وهي بتوقف ورايا.. وصوت خطوات جري سريعة ورايا.. وصوت “نور” وهي بتزعق: “مش هتخرجي من هنا يا مريم.. أنا اللي هعيش حياتك، وإنتي اللي هتمو.تي (نكرة) في الغيط!”

وقفت مكاني لما حسيت ببرودة حديد المسدس على رقبتي من ورا.. بس المرة دي، الصوت اللي سمعته مكنش صوت نور.. كان صوت “عمر” وهو بيلهث: “وداعاً يا مريم.. المشروع انتهى.” **صوت طلقة هز المكان.. والكل وقع في الأرض.** الطلقة مكنتش فيا.. الطلقة كانت في الهوا. فتحت عيني برعب، لقيت عمر واقع على الأرض وهو بيمسك كتفه اللي بينزف، ووراه كانت “نور” واقفة وماسكة المسدس وإيدها بتترعش، وعينها مليانة غل ودموع. نور صرخت في وشه:

“كنت عاوز تخلص مني أنا كمان يا عمر؟ سمعتك وإنت بتقول للست دي في التليفون إنك هتخلص من (النسختين) الليلة وتعيش لوحدك بالفلوس! أنا مش مشروع، أنا بني آدمة!” عمر كان بيحاول يقوم وهو بيشتمها، وفي اللحظة دي، نور وجهت المسدس ناحيتي وهي في حالة ذهول تام: “وإنتي يا مريم.. إنتي السبب في كل اللي وصلناله ده.. لو مكنتيش هربتي كان زماننا خلصنا بسلام!”

قبل ما تضغط على الزناد، أنوار زرقاء وحمراء ملت المكان. الست اللي كانت معايا في العربية مكنتش مجرد “مموّلة”، دي كانت خيط الوصل اللي بلّغ البوليس في آخر لحظة عشان تضمن رقبتها هي كمان من تهمة التزوير. القوات حاصرت المكان، ونور من الخضة رمت المسدس وقعدت على الأرض تصرخ بهستيريا. عمر حاول يهرب وسط الزرع بس العساكر جابوه في ثواني. **بعد مرور 3 شهور:** أنا واقفة قدام المراية في شقتي.. بس المرة دي الشقة هادية، مفيش “تكة” باب بتخوفني، ولا أكل بينقص.

عمر ونور والست “الممولة” كلهم خلف القضبان بتهم التزوير، والشروع في القت.ل، وانتحال الشخصية. المحامي بتاعي قدر يثبت إن “نور” مش أختي ولا حاجة، دي كانت مجرد بنت فقيرة بتشبهني، عمر استغل طمعها وعملها عمليات تجميل دقيقة عشان يحلها مكاني ويسرق ورثي من والدي اللي كان عبارة عن أراضي وعقارات بمليارات. فتحت باب “أوضة الخزين”. الأوضة دلوقت فاضية تماماً، مدهونة لون أبيض مريح، مفيش فيها صور قديمة ولا ريحة خوف. طلعت منها وبصيت لصورتي الحقيقية على الحيطة.. مريم الواحدة والوحيدة.

رن جرس الباب، روحت فتحت، كان عم عبده البواب (الحقيقي المرة دي) ومعاه جواب رسمي من المحكمة. بصيت له وابتسمت، قالي: “نورتي بيتك يا ست مريم، والحمد لله إن الكابوس ده خلص على خير.” قفلت الباب ورايا، وبصيت لنفسي في مراية الصالة.. مسحت الشامة اللي جنب عيني بمنديل.. فطلعت “رسم” بالقلم! ضحكت بمرارة وأنا بفتكر إن عمر مكنش يعرف إن “مريم” اللي كان حابسها، كانت أذكى منه بكتير.. وإني كنت عارفة إن في حد في البيت من أول شهر، وكنت بسايره لحد ما قدرت أوقعهم كلهم في شر أعمالهم.

أنا مش مريم الضعيفة.. أنا مريم اللي كتبت نهاية القصة بإيدها. **- تمت -**

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى