نظرتُ إليه بثبات، دون خوف، وقلت بهدوء حاسم
يبدو أنك نسيت يا أبي.. المال الذي اشتريتم به دواءك، والكهرباء التي تنعمون بها، وحتى الطعام الذي تأكلونه كل يوم.. كل ذلك كان من مدّخراتي قبل أن أعرف ابنك.
تقدّمت خطوة، وأخرجت هاتفي، ثم عرضت كشف حسابي أمامهم
تفضلوا.. إن كنتم تريدون الحقيقة.
ثم وجهت كلامي إلى سيف
انظر بنفسك. خلال ثلاث سنوات.. لم تُرسل لي
تحويلًا واحدًا.
توقفت لحظة، ثم
أضفت بصوتٍ أوضح
ما أنفقته على هذه العائلة تجاوز مليون دينار.. من طعام، وعلاج، ومصاريف، وحتى رعاية أمك.
رفعتُ عينيّ إليه بثبات، وقلت
والآن تطلب مني أن أدفع لك ستة آلاف دولار؟
ابتسمتُ بسخرية باردة، وأكملت
حسنًا.. فلنقم بالحساب الصحيح. اطرح ما تدّعيه.. من المليونين الذين تدين لي بهما.
تجمّد سيف في مكانه، وأخذ الهاتف من يدي بسرعة، وبدأ يتصفح الأرقام بارتباك واضح، ومع كل ثانية كان وجهه يزداد شحوبًا.
تمتم بصوتٍ متقطّع
كيف.. من أين حصلتِ على كل هذه الأموال؟
نظرتُ إليه دون تردد، وقلت بوضوحٍ لم أعد أخفيه
كنت أعمل.
كل صباح، قبل أن تستيقظوا.. كنت أبيع عبر الإنترنت.
كنت أعيد استثمار ما أشتريه من البقالة..
وأدير كل شيء بصمت، وأنا أعتني بأمك في الوقت نفسه.
توقفتُ لحظة، ثم نظرت إليه نظرة حادة، تحمل كل ما مررت به
وبينما كنتَ أنت تعيش حياتك في الخارج.. مع سكرتيرتك.. كنتُ أنا أقاتل وحدي حتى لا نجوع.
وفجأة.. انفتح باب الغرفة، وخرج كرار وهو يبكي، وعيناه تبحثان عني بذعر.
أمي! لا ترحلي.. أرجوكِ!
ثم التفت إلى سيف وصرخ بصوتٍ مكسور
أبي.. لماذا تؤذي أمي؟
اندفع نحوي، لكن سيف أمسك بذراعه بعنف وأوقفه.
وقال ببرودٍ قاسٍ
ديانة، إن كنتِ ستغادرين.. فاتركي الطفل هنا. لن تأخذي مني شيئًا.
دعينا نرى كم
أنتِ قوية من دونه.
في تلك اللحظة..
انفجر كل ما بداخلي.
التقطتُ كأس الماء من على الطاولة، ورششته مباشرة في وجهه دون تردد.
قلت بصوتٍ مرتجف من شدة الغضب
لا تستخدم ابني لإيذائي!
تقدّمت خطوة، ونظرت إليه بعينين لم يعرفهما من قبل
بعد ثلاث سنوات.. لا تعرف حتى في أي صف يدرس ابنك!
لم تكن تعلم أنه يعاني من الربو!
لم تكن تعلم كم مرة سهرته بين ذراعي وأنا أقاتل وحدي من أجل أن يتنفس!
توقفت لحظة، ثم قلت بحسم
ليس لك الحق.. أن تناديه ابنك.
ساد الصراخ في المكان
وفي وسط الفوضى، توقفت سيارة سوداء فاخرة أمام المنزل.
نظر الجميع نحو الباب في دهشة، ثم فُتح.. ودخل رجل أنيق يرتدي بدلة رسمية، بهدوء وثقة.
كان ابن الحاجة أم حسين.
تقدّم بخطوات ثابتة، وعيناه تراقبان كل تفصيلة في المكان، ثم قال بهدوء
ديانة.. هل أنتِ مستعدة؟ قالت والدتي إنكِ بحاجة إلى مساعدة.
تجمّد سيف في مكانه، ونظر إليه بارتباك واضح، وكأن الفارق بينهما أصبح فجأة لا يُخفى.
سأله بصوتٍ متوتر
من أنت؟ وماذا تفعل في منزلي؟
ألقى الرجل نظرة سريعة على زجاجة العطر المكسورة، ثم على وجهي المحمر، ثم على الدفتر الملقى على الأرض، وابتسم ابتسامة باردة تحمل أكثر مما تُظهر.
ثم قال بهدوءٍ حاسم
أنا صاحب العمل الجديد لديانة.
وتابع بنبرة أكثر صلابة
ومن الواضح.. أن لديك الكثير لتشرحه
أمام القانون، بشأن ما تعرضت له من إساءة
وإذلال واستغلال.
لم يرد
سيف.
لم يستطع.
تقدّمتُ نحو كرار، واحتضنته بقوة، ثم حملته بين
ذراعي، وأمسكت حقيبتي.
هذه المرة.. لم يعد هناك ما يمكن أن يوقفني.
وقفت عند الباب، ونظرت إلى سيف نظرة أخيرة، وقلت بهدوءٍ قاطع
لا تنتظر مني شيئًا.. انتظر فقط أوراق الطلاق، ودعوى النفقة التي تجاهلتها ثلاث سنوات.
ثم استدرت.. وخرجت.
تركتهم جميعًا خلفي، واقفين وسط الفوضى التي صنعوها بأيديهم.
ركبت السيارة.. وأُغلق الباب.
ومع أول حركة لها، سمعت صرخة أم سيف من الداخل، ممتلئة بالذعر والغضب
سيف! من سيهتم بي الآن؟! من سيطبخ؟!
نظرتُ أمامي.. وابتسمت ابتسامة هادئة.
لأول مرة منذ سنوات كنتُ حرة.
مرّ شهرٌ منذ أن غادرتُ ذلك المنزل الكئيب، وكانت حياتي في بيت الحاجة أم حسين أشبه بحلم لم أكن أتوقعه يومًا، فلم أعد أرى نفسي خادمة، بل إنسانة موثوقة لها مكانتها، أعيش بكرامة وأتنفس بهدوء. وبينما كان كرار يلعب بسعادة في الحديقة
الواسعة، كنت أتعافى ببطء من كل ما مررت به، كأن روحي تُرمَّم
قطعةً قطعة.
في إحدى الظهيرات، وبينما كنت أرتّب الزهور قرب المدخل، سمعت طرقًا عنيفًا على البوابة، يتبعه صراخٌ مألوف.
ديانة! اخرجِي! لا يمكنكِ أن تفعلي هذا بنا!
كان سيف.. ومعه رنا وأم سيف، وقد بدوا في حالٍ يُرثى لها؛ وجوه شاحبة، وملابس متسخة، ونظرات مشتتة. حين فُتحت البوابة، نظرت إليهم للحظة ولم أكَد أتعرف عليهم. سيف، الذي كان متعجرفًا بالأمس، بدا اليوم كمن لم يذق النوم منذ أيام.
اقترب بخطوات متعثرة، ثم سقط على ركبتيه أمامي، وقال بصوتٍ مكسور
ديانة.. ارحميني، عودي..
البيت انهار من بعدك، أمي مريضة ولا أحد يعتني بها، ورنا لا تعرف حتى كيف تُعد الطعام.. لم نعد نأكل إلا ما يسدّ الرمق.
نظرتُ إليه من أعلى إلى أسفل نظرة هادئة، ثم قلت
وماذا عن هداياك الفاخرة؟ أين اختفت؟ وأين تلك الحياة التي كنت تتباهى بها؟ لماذا تبدون الآن
كمن فقد كل شيء؟
خفضت رنا رأسها، وبدا على حقيبتها
الرخيصة أثر الزيف بعد أن كانت تتباهى بها.
تدخلت أم سيف بصوتٍ متعب
يا ديانة.. لم يعد لدينا مال.
كل ما فعله سيف انكشف، الشركة أغلقت بعد أن تبيّن أنه كان يأخذ المال ليتباهى به، وحتى تلك التي كان يعمل معها.. تركته حين سقط.
ابتسمتُ ابتسامة باردة، وقلت في نفسي إن العدالة لا تأتي دائمًا بصوتٍ عالٍ، لكنها حين تصل.. لا تخطئ الطريق.
ثم نظرتُ إلى سيف وقلت بهدوء
أين دفتر حساباتك؟ أين تلك الأرقام التي كنت تلوّح بها في وجهي؟ هل ما زلت تنتظر أن أدفع لك شيئًا؟
هزّ رأسه بسرعة، وقال بصوتٍ يختنق
لا.. لا يا ديانة، سامحيني.. كنت أظن أن المال يصنع الاحترام، وأن الزوجة تُشترى بالخدمة.. كنت مخطئًا.
في تلك اللحظة، توقفت سيارة أمام البوابة، ونزل منها رجل أنيق، ثم تقدّم نحوي بهدوء وسلّمني ظرفًا.
قال بنبرة رسمية
ديانة، هذا الحكم النهائي بحجز ممتلكاتهم
لعدم دفع نفقة الطفل طوال ثلاث
سنوات.
اتسعت عينا سيف بصدمة، وقال بصوتٍ مرتجف
ماذا؟ حتى البيت؟
نظرتُ إليه بثبات وقلت
نعم يا سيف، هذا البيت مسجّل باسمنا معًا، وبما أنك لم تتحمل مسؤوليتك، فقد قررت المحكمة أن تكون حصتك من نصيب كرار.. وغدًا ستغادره.
صرخت رنا وهي تبكي
إلى أين سنذهب؟ ليس لدينا مكان!
نظرتُ إليهم نظرة أخيرة، خالية من أي تردد، وقلت
لم يعد ذلك شأني. حين كنتُ بينكم، لم أكن أستحق حتى هدية.. واليوم، أنتم لا تستحقون دقيقة واحدة من وقتي.
أُغلقت البوابة ببطء، فاصلةً بين ماضٍ انتهى.. وبداية جديدة لم أعد أخافها.
دخلتُ إلى الداخل، واحتضنتُ كرار، ولأول مرة منذ سنوات، لم ترتجف يداي، ولم أشعر بثقلٍ على صدري، ولم تعد هناك رائحة دواء أو تعب أو خوف.. بل فقط رائحة طعامٍ طازج، وهدوءٍ يشبه السلام.
أدركتُ حينها..
أن أجمل الهدايا لا تأتي من سفرٍ بعيد، ولا من أشياء باهظة، بل من لحظة تختارين
فيها نفسك،
وتتركين كل من لم يعرف قيمتك.
تمت