منوعات

حفيدتى 1

تراجعتُ للخلف، لكن الطريق كان مسدودًا بنهر صغير. وفجأة، أضاء كشاف قوي وجهي، وصوتٌ مجهول قال بلهجة باردة: **”يا حاجة… سلمي الطفلة. المفتاح الذي معكِ يفتح أبوابًا لا تريدين رؤية ما خلفها.”** لم يكن رعد وحده من يريد دفن زهراء… كانت هناك “منظمة” أو سرٌ أكبر يمتد من أطراف النجف إلى أماكن أبعد بكثير مما كنتُ أتخيل. تراجعتُ للخلف حتى غاصت قدماي في طين حافة النهر. كنتُ أضمُّ زهراء إلى صدري بقوة جعلتها تئنُّ خفية، بينما كان الرجل ذو الملابس السوداء يتقدم ببطء، وكأن خطواته محسوبة بميزان. لم يكن يحمل سلاحًا ظاهرًا، لكن هدوءه كان أشدَّ فتكًا.

“يا حاجة.. أنتِ لا تفهمين.” قالها بصوتٍ رخيم، “رعد لم يبع ابنتَه.. رعد كان يحاول حمايتكم جميعًا. هذه الطفلة ليست كما تظنين.” ## مواجهة في الظلام في تلك اللحظة، ظهر “رعد” من خلف الأشجار، كان يلهث، وثيابه مبتلة تمامًا. عندما رأى الرجل الأسود، توقف مكانه وتصلّب جسده. * **رعد (بصوت مخنوق):** “قلتُ لكم سأنهي الأمر وحدي! لماذا تدخلتم؟” * **الرجل المجهول:** “لقد فشلتَ يا رعد. العاطفة غلبتك، والآن المفتاح أصبح بيد امرأة لا تعرف قيمته.. ولا تعرف الخطر الذي تمسك به.”

نظرتُ إلى رعد، ابني الذي ربيتُه على الصدق، ورأيتُ في عينيه انك.سارًا لم أره من قبل. لم يكن نظرة قاتل، بل نظرة إنسانٍ وقع في فخٍ أكبر من قدرته. * **أنا:** “رعد! أيُّ خطر؟ هذه ابنتك! دمك ولحمك! كيف سمحتَ لهم بتكبيلها داخل كفنها؟” * **رعد (يصرخ):** “أمي.. اهربي! لا تعطه المفتاح! ارميه في النهر واهربي بزهراء!” ارتبك الرجل الأسود لثانية واحدة، وكانت تلك فرصتي. دفعتُ زهراء خلف شجرة سدرٍ كثيفة وهمستُ لها: “اركضي باتجاه ضريح السيد، لا تتوقفي مهما سمعتِ!”

## الهروب عبر البساتين اندفعتُ بكل ما أوتيتُ من قوة نحو الرجل، ليس لأضربه، بل لأعرقل طريقه. استغل رعد الموقف وارتمى على الرجل ليشتبك معه، صائحًا بي: “اذهبي يا أمي! خذيها إلى بيت (الشيخ كاظم).. هو الوحيد الذي يعرف السر!”للمذيد من القصص الكامله تابعو صفحه رومانى مكرم ركضتُ خلف زهراء، وقلبي يكاد يتوقف. لم أعد أشعر بألم المفاصل، كان الأدرينالين يحرق عروقي. وصلنا إلى طريقٍ ضيق بين البساتين، وكانت أنفاس زهراء المتسارعة هي الدليل الوحيد على أنها لا تزال معي في هذا الكابوس.

وصلنا إلى بيت الشيخ كاظم، وهو بيت قديم متهالك في طرف “وادي السلام”. طرقتُ الباب بجنون. عندما فُتح الباب، لم يكن الشيخ كاظم هو من استقبلنا، بل كانت امرأة شابة، ترتدي ملابس تمريض، وعلى وجهها علامات الذعر. * **الممرضة:** “دخلتِ إلى عش الدبابير يا حاجة.. الشيخ ما.ت منذ يومين.. بنفس الطريقة التي حاولوا بها ق.تل هذه الصغيرة.” ## حقيقة الرمز (م) أدخلتْنا الممرضة بسرعة وأغلقت الأبواب بالمزاليج الحديدية. داخل الغرفة، كانت هناك أوراق مبعثرة وكتب قديمة في الطب والروحانيات.

* **الممرضة (وهي تنظر للمفتاح):** “هذا المفتاح يفتح سردابًا تحت (الخانات) القديمة. الرمز (م) لا يعني اسماً.. بل يعني ‘المستودع’. هناك أطفال غير زهراء، يا حاجة. أطفال يتم ‘تنويمهم’ ودفنهم سرًا لغرضٍ لا يصدقه عقل.” * **أنا:** “أي غرض؟” * **الممرضة:** “تجارة الأنفاس.. أو ما يسمونه ‘الموت المعلّق’. يستنزفون منهم شيئًا ما وهم بين الحياة والموت، قبل أن يبيعوهم لجهات خارج الحدود.” وفجأة، ساد الصمت في الخارج. توقف صوت المطر، وتوقفت أصوات الكلاب النابحة. ثم سمعنا صوتًا ينبعث من جهاز لاسلكي كان موضوعًا على الطاولة:

**”الهدف في بيت الشيخ.. لا تدعوا العجوز تخرج حية. الطفلة هي الأولوية.. المفتاح يجب أن يعود.”** نظرتُ إلى زهراء، فجأه بدأت ترتجف بعنف، وعيناها تحولتا إلى اللون الشاحب، وبدأت تتمتم بكلمات ليست لغة البشر: *”لقد فتحتِ الباب يا جدتي.. لقد بدأوا بالاستيقاظ.”* في تلك اللحظة، أدركتُ أن “المفتاح” لم يكن لفتح القيود المعدنية فقط.. بل كان مفتاحًا لشيءٍ كان يسكن داخل زهراء نفسها. تراجعتُ إلى الخلف حتى اصطدم ظهري بطاولة خشبية قديمة، بينما سقطت الممرضة على ركبتيها وهي تغطي أذنيها. صوت زهراء لم يكن يخرج من حنجرتها، بل كان يبدو وكأنه صدىً آتٍ من بئرٍ عميقة.

كانت عيناها بيضاويتين تماماً، وجسدها الصغير يتصلب كأن تياراً كهربائياً يسري فيه. ## ليلة السرداب “أمسكيها!” صرخت الممرضة وهي تحاول الوصول إلى حقيبة طبية، “هذا ليس نوبة صرع، هذا تأثير (المصل الأسود) الذي يحقنونهم به قبل الدفن!” بيدين ترتجفان، أمسكتُ بكتفي حفيدتي. كانت بشرتها باردة كالثلج، لكن المكان الذي وُضع فيه المفتاح في جيبي بدأ يسخن بشكلٍ غير طبيعي. التفتُّ إلى الممرضة وسألتها بمرارة: “أي مصل؟ وماذا تقصدين بأنهم يستيقظون؟”

* **الممرضة:** “يستخدمونهم كأوعية حية لنقل مواد كيميائية نادرة داخل أجسادهم، مواد تتفاعل فقط في حالة ‘البرزخ’ بين الحياة والموت. المفتاح الذي معكِ ليس للقفل فقط، هو جهاز تتبع وإشارة.. هم يعرفون مكاننا الآن!” لم تكد تنهي جملتها حتى تحطم زجاج النافذة العلوية. سقطت قنبلة دخانية انبعث منها غاز أبيض كثيف. سحبتُ زهراء والممرضة نحو زاوية الغرفة، لكن الباب الخارجي بدأ يتعرض لضربات عنيفة بآلة حادة. ## مواجهة رعد تحطم القفل، ودخل “رعد” أولاً، لكنه لم يكن وحده. خلفه كان الرجل ذو الملابس السوداء، ومعه اثنان آخران يحملان حقائب طبية معدنية.

* **رعد (يصرخ بهستيريا):** “أمي! أعطهم المفتاح والطفلة! لقد وعدوني أنهم سيعيدونها لي بعد يومين.. قالوا إنها ستكون بخير، فقط يحتاجون جسدها لنقل (الأمانة)!” * **أنا:** “يا ويحك يا رعد! أي أمانة؟ ابنتك تموت بين يدي وهي تتحدث بلغة الموتى! لقد خدعوك، أنت تدفنها بيدك!” نظر رعد إلى زهراء وهي تتلوى على الأرض، ولأول مرة منذ بدأت هذه الليلة، رأيت بريق الوعي يعود لعينه. نظر إلى الرجل الأسود بجانبه وسأله: “قلتم إنها ستنام فقط.. لماذا تتحول عيناها هكذا؟”

الرجل الأسود لم يجب، بل استلَّ حقنة طويلة من جيبه وتقدم نحو زهراء ببرود مرعب. ## السر تحت الأرض في تلك اللحظة، فعلتُ شيئاً لم أتخيله. استللتُ سكيناً قديماً كان يُستخدم لتقطيع الخبز على الطاولة، ووقفتُ حائلة بين زهراء وبينهم. * **أنا:** “من يلمسها، سأذ.بحه وأذ.بح نفسي، ولن تأخذوا المفتاح ولا الطفلة!” توقف الرجل الأسود، وابتسم ابتسامة شاحبة أظهرت أسنانًا معدنية. **”المفتاح ليس في جيبك يا عجوز.. المفتاح في دمها.”**

فجأة، بدأت زهراء تتقيأ سائلًا أسود لزجًا، ومع كل قطرة تسقط، كان المفتاح في جيبي يصدر طنيناً مرتفعاً. أدركتُ حينها الحقيقة المروعة: المفتاح الذي في يدي هو المغناطيس الذي يسحب “المادة” من داخل جسدها. انقضَّ الرجال علينا، لكن رعد، في لحظة فداء أخيرة، ارتمى فوق الرجل الأسود ليمنعه. * **رعد:** “اهربي يا أمي! اذهبي إلى السرداب الذي تحت الخان.. هناك ستجدين (المصل المضاد).. أنقذيها!” سحبتُ زهراء التي كانت قد فقدت وعيها تماماً، وخرجتُ من الباب الخلفي بينما كانت أصوات الاشتباك والتحطم تملأ المكان. ركضتُ في الزقاق المظلم باتجاه الخانات القديمة، حيث تفوح رائحة الموت والتاريخ.

عندما وصلتُ إلى مدخل الخان، وجدتُ الباب الحديدي مفتوحاً.. ومن الداخل، انبعث ضوء أخضر خافت، وصوت بكاء عشرات الأطفال يأتي من أعماق الأرض.

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى