منوعات

حفيدتى2

التفتُّ إلى ابني رعد، الذي كان يحاول النهوض وهو يضغط على جرحه. نظراته للرجل لم تكن نظرات عدو، بل كانت نظرات “رهينة” يرى سجانه. * **أنا:** “رعد.. تكلم! من هذا؟” * **رعد (بصوت منك.سر):** “أمي.. أنا لم أبعها من أجل المال.. لقد أخذوا زوجتي (سعاد) قبل عامين.. قالوا إنها ماتت بحادث، لكنهم كانوا يحتجزونها. شرط استعادتها كان أن أدخل زهراء في (البرنامج).” سقطت الكلمات عليّ كالصاعقة. سعاد، كنّتي التي بكيتُها طويلاً، لم تكن تحت التراب!

* **الرجل ذو الندبة:** “والآن يا رعد، الصفقة تغيرت. الخان احترق، والمختبر تدمر، لكن ‘المادة الخام’ لا تزال تجري في عروق هذه الصغيرة. سلميها لنا، وسأدلكِ على المكان الذي تقبع فيه سعاد.. أحياءً تحت الأرض، أو جثثاً فوقها. الخيار لكِ يا عجوز.” ## الوداع المر نظرتُ إلى زهراء التي بدأت تستيقظ. كانت عيناها الآن صافيتين تماماً، لكنها كانت تنظر إليّ بنظرة توديع. اقتربت مني وهمست في أذني بكلمات جمدت روحي: * **زهراء:** “جدتي.. بابا لا يكذب. ماما هناك.. أنا أسمع أنفاسها في رأسي. هي تناديني من تحت (القبة الذهبية القديمة).”

أدركتُ في تلك اللحظة أن زهراء لم تعد مجرد طفلة، لقد أصبحت “راداراً” بشرياً يربط بين الضحايا. المفتاح الذي أدرته في رقبتها لم يوقف العملية، بل جعلها “لاسلكية”. * **أنا (للرجل ذو الندبة):** “لن تأخذها إلا على جثتي.” * **الرجل:** “هذا عرضٌ مغرٍ.. وسهل التنفيذ.” استلَّ الرجل سلاحاً كاتماً للصوت ووجهه نحو رأسي. وفي اللحظة التي كان يهمُّ فيها بالضغط على الزناد، حدث شيءٌ لم يتوقعه أحد. الأرض تحت أقدام الرجل بدأت تهتز، وصوتُ عويلٍ جماعي انطلق من اتجاه المقبرة.

## جيش الصامتين لم يمت الأطفال في السرداب. النار لم تق.تلهم، بل حررتهم من الأنابيب. كانوا يخرجون من فوهات التهوية، ومن شقوق الأرض، يزحفون كظلالٍ سوداء غاضبة. لم يكونوا يريدون زهراء.. كانوا يريدون “الانتقام” من الشخص الذي كبّلهم. ارتبك الرجل وفتح النار بعشوائية، لكن الظلال كانت أسرع. استغل رعد الموقف وسحبني مع زهراء نحو السيارة القديمة التي كانت مركونة قرب السور. * **رعد:** “أمي.. خذيها واذهبي إلى (كربلاء).. هناك شخص يدعى ‘الحكيم’ في أطراف الهندية.. هو الوحيد الذي يستطيع إغلاق ‘الإرسال’ في رأسها قبل أن يحددوا موقعكم القادم.”

* **أنا:** “وأنت؟” * **رعد:** “سأبقى هنا لأتأكد أن هذا الوحيد لن يلحق بكم.. ولأبحث عن سعاد.” انطلقتُ بالسيارة والدموع تحجب رؤيتي، بينما كانت زهراء تنظر من النافذة الخلفية إلى رعد وهو يختفي وسط الدخان والظلال الزاحفة. وصلنا إلى مشارف المدينة، والشمس بدأت تشرق فعلياً هذه المرة، لكن الرعب لم ينتهِ. وضعتُ يدي على جيب عباءتي، لأجد شيئاً لم ألحظه من قبل. لقد وضع رعد في جيبي “خريطة” مرسومة بالدم، وفي نهايتها ملاحظة صغيرة: **”يا أمي.. زهراء ليست الوحيدة التي استيقظت.. هناك مئات الكنوز المدفونة حية في النجف، والمفتاح الذي معكِ يفتحها جميعاً.”**

أدركتُ أنني لستُ في رحلة هروب.. بل أنا الآن أقود ثورة “المو.تى الأحياء”. الطريق إلى “الهندية” كان طويلاً، والصمت داخل السيارة أثقل من الجبال. زهراء كانت تسند رأسها إلى الزجاج، وعيناها تراقبان النخيل الباسق الذي يمر كأنه أشباح تودعنا. لم تعد تلك الطفلة الخائفة؛ كان هناك هدوء غريب يغلفها، هدوء لا يليق بسنها، ولا بما مررنا به. وصلنا إلى أطراف كربلاء عند الغروب. البيت الذي قصده رعد كان منعزلاً، يحيط به شجر السدر من كل جانب. استقبلنا رجلٌ نحيل، شعره أبيض كالثلج، وعيناه تحملان حكمة من عاصر المو.ت وانتصر عليه. كان هو “الحكيم”.

## مواجهة الحقيقة لم يسأل الحكيم عن هويتنا، بل نظر إلى زهراء وقال بأسى: “لقد تأخرتم قليلاً.. المادة لم تعد في دمها فحسب، لقد أصبحت جزءاً من جهازها العصبي.” أدخلنا إلى غرفة مليئة بكتب قديمة وأجهزة إلكترونية مفككة. وضع يده على رأس زهراء وأغلق عينيه، ثم التفت إليّ: * **الحكيم:** “يا حاجة، المفتاح الذي معكِ لم يكن لفتح القيود، بل كان ‘صمام أمان’. رعد لم يضعه ليق.تلها، بل ليمنع (المركز) من التحكم بها. بمجرد أن أدرتِ المفتاح في رقبتها، جعلتِها حرة.. والحرية بالنسبة لهم خطر أكبر من المو.ت.”

## النداء الأخير فجأة، انتفضت زهراء. بدأت تمسك برأسها وتصرخ صرخة صامتة، وعروق رقبتها برزت بلون أرجواني داكن. * **زهراء:** “إنهم يصرخون يا جدتي! ليسوا في النجف فقط.. إنهم في كل مكان! تحت البيوت، في الأقبية، في المزارع.. كلهم يستيقظون!” أمسك الحكيم بكتفيها وحاول تثبيتها، وهو يصرخ بي: “أعطني المفتاح! الآن!” أخرجتُ المفتاح الذهبي الملطخ بالدماء. وضعه الحكيم في جهاز غريب متصل بأسلاك نحاسية، وبدأ يضغط على أزرار قديمة. انبعث طنين حاد من الجهاز، واهتزت جدران البيت. وفي تلك اللحظة، ظهرت على شاشة صغيرة آلاف النقاط الضوئية الحمراء التي تغطي خريطة البلاد.

* **الحكيم (بذهول):** “يا إلهي.. هذه ليست تجارة أعضاء.. هذه (شبكة عصيبة) تحت الأرض. إنهم يصنعون جيشاً لا يشعر بالألم، جيشاً يُدار بجهاز تحكم واحد.. وزهراء كانت ستكون القائدة.” ## التضحية والختام التفتُّ نحو النافذة، ورأيتُ أضواء سيارات سوداء تقترب من بعيد. لقد وجدونا. * **أنا:** “ماذا نفعل؟ هل سنظل نهرب للأبد؟” * **الحكيم:** “هناك خيار واحد. المفتاح يمكنه إرسال (نبضة) عكسية. ستغلق هذه الشبكة للأبد، ستعيد الأطفال إلى غيبوبة طبيعية ليعيشوا كبشر.. لكن هذا سيعني أن زهراء ستفقد قدرتها على سماع والدتها.. وستفقد ذكريات هذه الليلة بالكامل.”

* **أنا:** “فلتنسَ كل شيء.. المهم أن تعيش.” نظرت إليّ زهراء بابتسامة باهتة، وقالت بوضوح لم أعهده فيها: “جدتي.. قولي لبابا إنني كنت مطيعة.. ولم أقل شيئاً.” ضغط الحكيم على الزر الأخير. انفجرت شرارة كهربائية قوية أظلمت المكان تماماً. سقطت زهراء في ح.ضني، وغطت في نوم عميق، نوم حقيقي هذه المرة، خالٍ من السائل الأسود ومن الكوابيس. ## الفجر الجديد عندما اقتحم الرجال البيت، لم يجدوا شيئاً. كنتُ قد خرجتُ بزهراء من ممر خلفي، تاركة الحكيم يواجه مصيره بابتسامة الصابرين.

بعد أشهر، في قرية بعيدة لا يعرفنا فيها أحد، كنتُ أجلس في باحة دار صغيرة. زهراء تلعب بالتراب، تضحك وتجري خلف الفراشات. لا تتذكر شيئاً عن الكفن، ولا عن السرداب، ولا عن رعد. نظرتُ إلى كفها؛ الوشم اختفى تماماً. لكنني، عندما أغمض عيني في الليل، لا أزال أسمع طنين المفتاح في جيبي، وأعرف أن رعد لا يزال هناك، في مكانٍ ما تحت الأرض، يقا.تل ليجد سعاد.

وضعتُ يدي على المفتاح الذي أقسمتُ ألا أتخلص منه أبداً. فإذا كانت زهراء قد نسيَت، فأنا الذاكرة التي لن تمو.ت. وإذا حاولوا العودة يوماً، سيجدون خلف هذه الطفلة عجوزاً من النجف، تعلمت أن الكفن ليس دائماً للنهاية.. بل أحياناً، يكون هو البداية. **تمت.**

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى