منوعات

قسوه ام حكايات نرمين

بسم الله والصلاه والسلام على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم
قسوة أمي بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
حصري
اسمي هبة. اتربيت في بيت عادي جدًا… بيت بسيط، زيه زي بيوت ناس كتير في مصر. لا إحنا أغنيا ولا إحنا فقراء، كنا بنعيش على قد الحال، والحمد لله مستورين.
أبويا، الحاج إبراهيم، كان راجل بسيط، حياته كلها متلخصة في الشغل. ينزل الصبح بدري، يرجع آخر النهار شايل تعب اليوم على كتفه، يدخل يغسل وشه، ياكل لقمتين، يقعد قدام التلفزيون يتابع الأخبار، وبعدها ينزل يصلي في الجامع، ويرجع ينام.

كان شايف إن دوره في الدنيا إنه يجيب الفلوس وبس.
أما باقي البيت… فكان سايبه لواحدة تانية.
أمي، الحاجة فاطمة. أمي كانت هي الآمر الناهي، ماسكة زمام كل حاجة في البيت، من أول لقمة هناكلها، لحد النفس اللي بناخده. خروجنا بإذنها، دخولنا بمزاجها، صحابنا على حسب رضاها، مصروفنا على قد ما تحب، حتى ضحكتنا أوقات كانت تقيلة عليها. وأكتر كلمة سمعتها منها طول عمري كانت لا. لا، ما تطلعيش، ما تروحيش عند صحبتك، ما حدش يدخل البيت، ما تلبسيش كده، ما تقفيش في البلكونة، ما ترديش على حد. طول الوقت… لا، لا، لا.

الكلمة دي كانت سهلة جدًا على لسانها، وصعبة جدًا على قلوبنا.
أبويا، زي ما قلت، ما كانش بيتدخل. لو الدنيا قامت، ولو البيت اتقلب، ولو حد فينا اتظلم… كان دايمًا ساكت. ساعات كنت أبصله وأقول جوايا هو مش شايف؟ ولا شايف وساكت؟
أمي كان فيها حاجات عمري ما شفتها عند حد، لا في بيوت عمامي، ولا خالاتي، ولا صحابي، ولا الجيران. كانت تتعمد القسوة… كأنها بتثبت لنفسها إن السيطرة قوة. لحد ما تعبت. بقيت كل حلمي بعد ما خلصت دراستي، إني أتجوز. مش عشان الحب، ولا عشان

الفرح، ولا عشان الفستان الأبيض. عشان أهرب. أهرب من البيت ده… من الخنقة، من الأوامر، من الإحساس إني سجينة.
إحنا كنا ستة إخوات تلات ولاد وتلات بنات، كلنا من أمي وأبويا. لكن أبويا كان متجوز قبل أمي، وكان عنده ابن وبنت كبار في السن. أخوه الكبير اتجوز وسافر، وفضلت أخته… أختي من أبويا، اسمها منى.
منى كانت ست غلبانة… من الناس اللي الدنيا أكلت فيهم من بدري. اتجوزت، وبعد الجواز حصلت لها مشاكل كبيرة، واتطلقت، ورجعت بيتنا مكسورة من جواها. رجعت تعبانة نفسيًا، عايشة على دوا وعلاج، ومحتاجة حضن قبل ما تحتاج علاج. لكن أمي ما شافتش فيها مريضة محتاجة رحمة… شافت فيها حمل تقيل.
كانت تقول لأبويا وهي متضايقة أنا بالعافية مستحملة عيالك، هتحمل عيال واحدة تانية كمان؟ دي عصبية، دي مجنونة، دي هتعمل مشاكل.
وأبويا… سكت. وفي الآخر، عملوا لها أوضة
عملوا لها أوضة صغيرة تحت السلم.
أيوه… تحت السلم.
مكان ضيق، مستخبي، لا نور ولا روح، كأنه مخزن مش أوضة بني آدمة. ومن يومها، بقت منى عايشة هناك. ما تقعدش معانا، ما تاكلش وسطنا، ما تظهرش قدام حد، ولو طلعت وأمي موجودة… تقوم القيامة.
والله العظيم، منى كانت من أطيب الناس اللي شوفتهم. عاقلة، فاهمة، هادية، كلامها موزون.
لكن الوحدة بتكسر أقوى إنسان.
تخيلي حد عايش أربع وعشرين ساعة لوحده، محبوس، لا خروج، لا كلام، لا ناس، وهو لسه في عز شبابه. أكيد المرض هييجي، الاكتئاب هييجي، والروح هتذبل.
كنت كل ما أمي تنزل مشوار، أستخبى وأروح لمنى. أدخل لها، أقعد أحكي معاها، أضحكها، أعمل لها شاي، أرتب لها المكان. كنت أسرق نفسي من البيت… بس عشان أطمن عليها.
ومع الوقت، حالتها ساءت. بقت منطوية جدًا، تتكلم قليل،

تبص في السقف كتير، وتسكت بالساعات.
عمتي كانت تيجي كل فترة، تجيب لها أكل، أو هدوم، أو تساعدها. لكن منى ما كانتش محتاجة أكل… كانت محتاجة إنسان. محتاجة حضن، محتاجة عيلة، محتاجة حد يقول لها إنِت لسه مهمة.
حتى إخواتي كانوا بيحنوا عليها، لكن في السر. لو أمي شافت حد ساعدها، تقوم خناقة. كل حاجة كانت لازم تتم من ورا أمي.
ومع كل يوم يعدي… كرهي للبيت كان بيزيد. وبقيت مقتنعة إن مفيش باب نجاة غير الجواز. أي جواز، أي راجل، أي باب يفتح.
وفعلًا… مرت الأيام.
وفي يوم، جه عريس.
اسمه أشرف.
كان أكبر مني بعشر سنين تقريبًا. أنا كان عندي وقتها ستة وعشرين سنة، وهو كان داخل على التمانية وتلاتين. راجل متجوز قبل كده، وعنده بنتين وولد، وكان منفصل عن مراته.
ومن الكلام اللي عرفناه، إن مراته هي اللي طلبت الطلاق، وكانت رافضة ترجع له نهائي. قالوا إنه حاول معاها كتير، وبعت ناس، وكلمها عشان خاطر العيال، لكنها كانت قافلة الباب تمامًا، وبتقول له
خلاص… أنا مش عايزاك.
ولما اتأكد إنها مش راجعة أبدًا… قرر يبدأ حياة جديدة. وساعتها جه يخطبني.
أما أنا… فما كنتش شايفة كل التفاصيل دي. كنت شايفة باب مفتوح… وخلاص.
المهم… أمي أول ما سمعت باسم أشرف، قعدت قدامي ووشها كله اعتراض، ونظرتها فيها خليط غريب بين الغضب والخوف والكبرياء.
قالت وهي بتزفر بقوة
إزاي يعني عايزة تتجوزي واحد كان متجوز؟
وسكتت لحظة، وبعدين كملت بصوت أعلى
تصرفك غلط… واختيارك غلط.
أنا كنت قاعدة ساكتة، لكن جوايا ألف رد.
قربت مني وقالت بنبرة أول مرة أسمعها منها فيها شبه اعتراف
آه… أنا أمك، وعارفة إنك بتقولي عليا قاسية، وعارفة إني منعت عليكم حاجات كتير، وعارفة إني كنت شديدة عليكم

زيادة.
اتصدمت.
أمي… بتعترف؟
لكنها كملت بسرعة، كأنها خايفة من لحظة الضعف
بس مهما حصل، إنتِ ناقصك إيه عشان تتجوزي واحد متجوز قبل كده؟ راجل عنده ماضي، وعنده عيال، ومين يضمن لك مراته ما ترجعش له يوم من الأيام؟
بصتلي بحدة، وقالت وهي بتشاور بإيدها
افتكري كلامي… اليوم اللي هتبقى فيه حلوة في عينه، هيرجع لها.
كلامها دخل قلبي، لكني وقتها كنت عمياء عن أي حاجة إلا الخروج من البيت. في عيني، أشرف كان راجل مستقر، حالته كويسة، بيته نضيف، وشكله محترم، ومراته أصلًا مش عايزاه ورافضة ترجع له نهائي. كنت شايفة إن الفرصة دي نجاة.
ولأول مرة في حياتي… أبويا اتكلم.
كان قاعد ساكت زي عادته، ماسك سبحته، وبعدين رفع عينه وقال بهدوء
سيبيها يا فاطمة.
لفتت له أمي مذهولة.
وكمل أبويا وهو بيبصلي بهدوء
سيبيها تعيش حياتها، هي اللي هتتجوز، وهي أدرى بمصلحتها، يمكن ربنا كاتب لها الخير.
أنا وقتها حسيت إني لأول مرة حد شايفني، وحد سامعني من غير ما أتكلم.
أمي سكتت، والسكوت عندها كان نادر.
وبعد أيام من الجدال والشد والجذب… وافقت.
واتعملت الخطوبة، وبعدها كتب الكتاب، واتجوزت.
دخلت بيتي الجديد وأنا داخلة بقلب مليان أمل وخوف. كنت فاكرة إني أخيرًا خرجت من السجن، وإن الحياة بدأت.
أول تلات شهور، الدنيا كانت هادية.
وأكتر حاجة استغربتها… إني لا شفت أولاده، ولا حتى سمعت صوتهم. كنت أسمع عنهم بس.
وفجأة، في يوم، الباب خبط.
ولقيت بنتين وولد صغير، عمره يمكن سنتين ونص، داخلين البيت.
وقتها استقبلتهم أحسن استقبال. ضنتهم، جهزتلهم أكل، لعبت معاهم، وكنت بحاول أعوضهم أي توتر.
أشرف كان موصيني عليهم قبلها.
قال لي بنبرة فيها رجاء
دول عيالي… عايزهم يحبوك.
وأنا من جوايا،

رغم كل حاجة، كان عندي رحمة. صح أمي كانت قاسية… لكن اتعلمت

من قسوتها إن الإنسان لازم يبقى رحيم.
الأولاد بقوا يجوا كل أسبوع، أو كل عشر أيام. يقعدوا ساعتين، تلاتة، ويمشوا. وبعد فترة، بقوا يناموا عندنا.
وأشرف بدأ يتعلق بيهم أكتر من الأول. وده حقه… دول عياله.
لكن في حاجة كانت غريبة.
التغيير جه بسرعة.
بقى يقول لي وهو مبتسم
واضح إن أمهم ناوية تتجوز، عشان كده بدأت تبعتهم عندي، عايزاهم يتعودوا عليا تاني.
أنا ما كنتش برد، لكن قلبي كان مش مرتاح.
لما كنت أروح أزور أهلي، كانت التليفونات ما بتقفش.
الولاد عايزينك.
تعال خدهم.
الولد تعبان.

هات لهم كذا.
رغم إن قبل جوازنا، التواصل بينهم كان شبه مقطوع. لو في كلام، كان عن طريق أخوها أو أبوها. دلوقتي بقى مباشر.
والحقيقة… الموضوع ما كانش عاجبني.
بعدها حملت، والحمد لله. ولما دخلت النفاس، رحت أقعد عند أهلي شوية.
وخلال الفترة دي، الأولاد بقوا عند أبوهم طول الوقت تقريبًا. وأشرف اتعلق بيهم زيادة. لو يوم عدى من غير ما يكلمهم، يبقى متوتر وتايه.
وأنا ما كنتش بلومه… دول ولاده. لكن كان في حاجة بتتغير قدامي وأنا شايفة.
وفي يوم، سألته بصراحة
إنت عايز ترجع لهم؟

بصلي شوية، وبعدين قال
والله لو رجعت… يبقى أحسن وأحسن. أولادي يبقوا جنبي، وإنتِ معززة مكرمة، وابنك في عيني، والكل يعيش.
الجملة دي نزلت على قلبي باردة.
وإنتِ معززة مكرمة.
كأن وجودي بقى ملحق في حياة هو بيرممها.
ما رديتش. كنت بس عايزة أرتاح، وأولد، وأقوم بالسلامة.
بعد النفاس، رجعت البيت بعد أسبوعين تقريبًا.
وفي ليلة، دخل عليا الأوضة. وشه كان متوتر، وصوته مصطنع الهدوء.
قال
صلي على النبي.
قلت بقلق
عليه الصلاة والسلام… خير؟

قعد قدامي، وقال
أنا راجل بخاف ربنا، وبخاف عليكِ، وبخاف على أولادي… وجيت أقولك حاجة.
قلبي وقع.
قال
أنا عايز أرجع أم عيالي.
سكت شوية… مستني ردي.
أنا بصيت له، وقلت بمنتهى الهدوء
طالما

هتعدل… مفيش مشكلة.
كنت فاهمة من البداية إنه راجل ليه حياة قبلي.
لكن بعد يومين… رجع تاني.
وشه متغير.
قال
الموضوع اتغير.
سألته وأنا حاسة إن في مصيبة جاية
يعني إيه؟
قال وهو بيتجنب عيني
أم ولادي شارطة… لو رجعت، تبقى لوحدها، مش عايزة شريكة.
أنا سكت.
وهو كمل بسرعة
أنا عرضت عليها إنك تفضلي… رفضت، فأنا مضطر أختار أم ولادي.
بصيت له في ذهول.
كمل
إنتِ معززة مكرمة، وابني مش هقصر معاه، ولا هبخل عليكي… بس لازم ننفصل دلوقتي.
اتجمدت مكاني.
وهو قال الجملة اللي لحد النهارده بترن في ودني
وأوعدك… لما الأمور تهدى، أرجع أكتب عليكِ من جديد.
قمت واقفة وأنا مش مصدقة.
قلت له بصدمة وغضب
إنت سامع نفسك؟
قربت خطوة، ودموعي محبوسة في عيني
أنا إيه… عربية إيجار؟ تطلقني، وترجعني، على حسب مزاج مراتك؟
كان ساكت.
فكملت وأنا موجوعة
إحنا بني آدمين… مش حاجات في معرض.
سكت، وخرج من الأوضة… وسابني مكسورة.
رجعت بيت أهلي.
ومن أول يوم، بدأت الشماتة.
أمي كانت كل شوية تقول
اللي يشيل قربة مخرومة… تخر على دماغه.
وتقول
اللي ما يسمعش كلام اللي أكبر منه… يضيع.
القرايب بصّوا لي كأني مثال للفشل.
وقعدت أربع شهور على الحال ده… ساكتة ومستحملة.
لحد ما أمي بدأت تعاملني كأني ضيفة تقيلة.
تخبي عني إن طليقي باعت مصروف، وتقول
ليه نصرف عليكي؟ ليه تاكلي وتشربي معانا؟
ساعتها حسيت إن البيت اللي هربت منه زمان… رجعت له أسوأ من الأول.
وفي يوم، بصيت لأبويا وقلت
أنا عايزة حاجة واحدة…
بصيت له وأنا مكسورة من جوايا، وقلت بصوت متعب
أنا عايزة أطلع من البيت… أستأجر شقة صغيرة ليا أنا وابني.
كنت بقولها وأنا حاسة إن آخر نفس فيا بيتسحب.
أمي ما كانتش طايقة وجودي. كل يوم كلمة، وكل ساعة تلميح، وكل قعدة فيها شماتة.
نظراتها كانت توجع أكتر من الكلام، وكلامها كان يوصلني إني أكره

نفسي.
أبويا رفع عينه ليا، وفي صوته حزن وعجز
شقة إيه يا بنتي؟ إنتِ معاكي طفل صغير… وهتعيشي لوحدك إزاي؟
وسكت شوية، وبعدين كمل
وبعدين الناس هتقول إيه؟ أنا لو وافقت، محدش هيرحمني.
حتى هو… كان أسير كلام الناس.
كملت وأنا بحاول أمسك دموعي
بس يا بابا… أنا تعبت.
قال وهو بيهديني
سيبيها يومين، أمك هتهدى… أصلها زعلانة عشان ما سمعتيش كلامها.
ابتسمت بمرارة.
يعني أنا المكسورة… وهي الزعلانة.
سكت، ودخلت أوضتي، وقعدت أفكر.
لو مش هقدر أقعد هنا… أروح فين؟
بعد ليلة طويلة من التفكير، لقيت نفسي قدام اختيار غريب… لكنه أهون من القعدة مع أمي.
قررت أروح أقعد مع أختي منى… اللي كانت عايشة تحت السلم، لوحدها، بين الأدوية والعلاج والوحدة.
أهون عليّ ألف مرة من إني أعيش كل يوم مذلولة.
لما قلت القرار، أمي فرحت فرحة حاولت تداريها، وقالت ببرود
كويس… ترتاحي ونرتاح.
وعمتي، أخت أبويا، كانت بتيجي كل يومين تلاتة تشوف منى وتساعدها. فلما عرفت إني هقعد معاها، قالت
خلاص… طالما هبة معاها، أنا قلبي اطمن.
دخلت المكان… وقلبي اتقبض.
أوضة ضيقة، تراب، ريحة كتمة، حاجات قديمة، حياة واقفة من سنين.
وقفت في النص، وبصيت حواليا، وقلت لنفسي
إما أصلح المكان… أو المكان يكسرني.
بدأت أنضف، أرتب، أرمي القديم، أجيب ملايات، أفتح الشباك، أدخل شمس.
كنت عايزة المكان يبقى صالح لثلاث أرواح أنا، وابني، ومنى.
وبالفعل… بعد أيام، بقى ينفع يتعاش فيه.
ومن هنا… بدأت حكاية جديدة.
قربت من منى أكتر من أي وقت فات.
أمشط شعرها، أغسل هدومها، أقعد أحكيلها، أسمع لها، أضحكها، وأحسسها إنها مش منسية.
والله تعبت… تعبت جدًا.
بس لأول مرة، كنت تعبانة وأنا راضية.
لأن التعب هنا فيه رحمة… مش ذل.
هي كمان بدأت تتعود عليّ، وأنا اتعودت عليها.
لكن ما أخبيش عليكم… كنت بخاف.
في ليالي كتير

ما كنتش بنام. كانت منى ساعات تتكلم مع نفسها، أو تفتح الشباك فجأة، أو تعمل حركات تخوف في نص الليل.
كنت أخاف على ابني، وأخاف عليها، وأخاف مني.
لكن كنت مجبرة أستحمل.
لأن البديل… وجع دماغ أمي ولسانها اللي ما بيرحمش.
نفسيتي كانت منهارة.
أنا عارفة إني غلطت في اختياري، وعارفة إني استعجلت، وعارفة إني ما سمعتش كلام أمي…
لكن هل ده معناه إني أتحاكم كل يوم؟
هل ده معناه مفيش حضن؟ مفيش احتواء؟ مفيش كلمة تعالي نبدأ من جديد؟
وعشان كده بقول لكل أب وأم…
احتووا ولادكم.
حتى لو غلطوا، حتى لو اختاروا غلط، حتى لو كسروا كلامكم.
الدنيا بتكسرهم كفاية… ما تبقوش أنتم كمان عليهم.
الحياة مدرسة، وكل واحد بيتعلم بطريقته.
ابنك لو وقع… سنده.
بنتك لو اتوجعت… .
البنت قبل الجواز لو عايشة في قهر… ممكن تستخبى في أول باب يتفتح لها.
ما تشدوش الحبل زيادة فيتقطع، وما تسيبوش الحبل زيادة فيضيع.
خليكم في النص… بلطف، بحنية، بكلمة طيبة.
والله الكلمة الحلوة… ساعات تساوي كنوز الدنيا كلها.
المهم…
بعد ما عشت مع منى فترة، بدأت ألاحظ إن أشرف، أبو ابني، واحدة واحدة بطل يسأل… وبطل يبعت زي الأول.
وكأنني لما خرجت من الصورة… بقيت عبء نسيه بسرعة.
المشكلة ما كانتش بس في وجع الكلام… المشكلة إن أشرف بدأ يقطع المصروف عن ابنه.
شهر يعدي… مفيش حاجة.
شهرين… ولا جنيه.
وأنا قاعدة أبص لابني، وقلبي بيتقطع.
أبويا حاله على قدّه، راجل كبير وتعبان من الشغل. وأمي أصلًا صعب أطلب منها لقمة، لأنها كانت كل حاجة بتديها محسوبة، ومعاها كلمة توجع أكتر من الجوع.
فهمت ساعتها إن محدش هيشيلني غير نفسي.
لا طليق، ولا أهل، ولا حد.
أنا.
وبدأت أدور على شغل.
كلمت واحدة صاحبتي، وقلت لها
شوّفي لي أي حاجة… أي شغلانة.
سكتت شوية، وقالت بحرج
يا هبة… صعب. إنتِ أصلًا معاكيش شهادة، وما

كملتيش تعليمك.
قفلت معاها، ودموعي نزلت.
مش عشان كلامها… عشان كانت صادقة.
في يوم، وأنا بقلب على إنستجرام، لقيت بنت بتعمل تورتات، وحلويات، وصواني

أكل، ومحشي.
وقفت أبص للشاشة شوية… وقلت لنفسي
ليه مش أنا؟
أنا طول عمري إيدي شاطرة في المطبخ، وأكلي الناس كانت بتحبه.
قمت من مكاني، ومن اليوم ده بدأت.
أجرب، وأبوظ، وأعيد، وأتعلم.
أعمل كيكة تطلع ناشفة… أعيدها.
أعمل صوص يبوظ… أرجع من الأول.
كل يوم محاولة… لحد ما بدأت أظبط.
صورت أول شغلانة، ونزلتها.
الناس بدأت تسأل
بكام الكيكة؟
بكام الصينية دي؟
أقول السعر، يردوا بدهشة
ده رخيص جدًا!
كنت لسه بخاف أغلي على حد.

أول أوردر جالي… لبست ابني، وشلته، وركبت مواصلات، وروحت أوصل الطلب بنفسي.
رجعت وأنا ماسكة أول فلوس دخلت إيدي من تعبي.
قعدت أبكي.
مش ضعف… فرحة.
واحدة واحدة، الناس عجبتها شغلتي.
بدأوا يطلبوا حاجات أكتر
محشي، مكرونة بالبشاميل، صواني فراخ، حلويات.
واحدة مدرسة اتفقت معايا أعمل لها أكل أسبوعي، لأنها بترجع من شغلها هلكانة.
وبعدين جابت لي مدرسات تانيين.
وفي آخر الشهر، مسكت مبلغ محترم لأول مرة.
حسيت إني ماسكة الدنيا.
أول حاجة عملتها… أخدت أختي منى وروحت بيها المستشفى.

كانت بقالها سنة وشوية من غير متابعة، وحالتها كانت صعبة.
عملت لها كشف، جبت علاجها، اشتريت لها هدوم جديدة، بيجامات، منظفات… كل حاجة.
والله جبت لها قبل ما أجيب لنفسي.
كنت شايفة في عينيها نظرة غريبة… نظرة واحدة بدأت تصحى من سنين نوم.
ومع العلاج… ورحمة ربنا… بدأت تتحسن.
شوية شوية، بقت تتكلم أكتر، تضحك، تسأل، تخرج معايا.
وأمي؟
ولا عمرها بطلت كلام.
كانت تبص لنا وتقول بسخرية
يلا قريب نحطكم أنتم الاتنين في مستشفى المجانين… أوضة جنب أوضة.
كنت أسمع… وأسكت.
وأقول جوايا
ربنا يسامحك يا أمي.

في ناس تستغرب إن أم تعمل كده… لكن والله في أمهات أقسى.
وأنا كنت بحمد ربنا على كل حال.
الطلبات بدأت تزيد.
المتابعين زادوا.
ولأول مرة، جالي إعلان من محل صغير.
فرحت فرحة طفل.
ما كنتش عارفة أعمل إيه، قعدت أبحث على جوجل
إزاي أعمل إعلان؟
إزاي أصور منتج؟
كنت بتعلم كل حاجة من الصفر.
صورت في مطعم مرة، وخدت مبلغ حلو.
اشتريت بيه بوتاجاز جديد، وأدوات، وحاجات تساعدني.
ومشروعي كبر.
واحدة واحدة… بقى ليا اسم في المنطقة.
الناس بقت تقول
هاتوا من عند هبة.

شغلها نضيف.

أكلها زي البيت وأحسن.
والفلوس بقت تدخل إيدي.
ولأول مرة في حياتي… أنا اللي أصرف.
صرت أدي أبويا، أجيب للبيت، أصرف على أختي.
وكان قلبي طاير من الفرحة.
منى بقت شبه إنسانة تانية.
تحسنت بشكل كبير.
بقت تساعدني
ترتب الأوردرات، تنضف، تغسل، تحط البوكسات، تضحك مع الزباين.
والله العظيم… الاهتمام يفرق.
المريض اللي الناس بتسيبه، ممكن يرجع للحياة بكلمة… ورحمة.
بعد فترة، قلت لأبويا
أنا محتاجة أتوسع.
قال وهو مستغرب
يعني إيه؟
قلت بحماس وخوف في نفس الوقت
عايزة أأجر شقة تبقى للشغل… والنوم أنام هنا.
بصلي شوية، كأنه بيفكر لأول مرة يشوفني بعين الست اللي بتحاول تقف على رجلها، وبعدين قال
لو عايزة تنامي فيها نامي… بس خدي أخوكي معاكي، وأنا هاجي أطمن عليكم.
كان أول مرة أحس إنه سند.
وفعلًا… أجّرت شقة بسعر مناسب.
دخلتها وهي فاضية، وبصيت للحيطان، وحسيت إني ببص على بداية جديدة.
حولتها مطبخ، وشغل، وحلم.
كل ركن فيها كان بيحكي عن تعب، وكل رف اتحط كان وراه أمل.
بقى يجيني زباين من كل حتة.
وشغلت معايا بنات من المنطقة… طالبات جامعة، محتاجين يصرفوا على نفسهم.
كنت بديهم مرتب بسيط، وأقول لهم بابتسامة طالعة من وجع قديم
أنا اتسندت بنفسي… وإنتوا كمان هتقدروا.
وبعد فترة، ناس كبار طلبوا مني شغل مناسبة كبيرة.
فرح كبير.
حلويات، صواني، أكل كتير، تجهيزات ما بتنتهيش.
اشتغلت ليل نهار.
إيدي كانت بتوجعني، وظهري بينكسر، لكن قلبي كان فرحان.
ولما خلصت… انبهروا.
ومن اليوم ده… شغلي اتفتح على وسعه.
سنتين مروا… والخير نازل عليا زي المطر.
والله ما ببالغ.
فلوس، رزق، راحة بال، سمعة حلوة، ستر.
وبقيت أتصدق، وأساعد غيري، وأقف جنب كل حد محتاج فرصة.
واتعلمت درس عمري ما أنساه
الخير ما بيروحش.
اللي يرحم… ربنا يرحمه.
اللي يحتوي… ربنا يحتويه.
اللي يسند مكسور… ربنا يسنده.
وأنا… لما احتويت أختي، ربنا احتواني.
أول ما بدأت الفلوس تدخل إيدي، ما فكرتش في نفسي.
فكرت في منى.
أختي اللي كانت سنين مرمية في ركن، منسية، لا حد بيسأل فيها، ولا حد شايف وجعها.
قمت بيها من جديد.
مراجعات دكاترة، تحاليل، علاج منتظم، أكل نضيف، هدوم جديدة، كلمة حلوة، ونس.
كنت كل يوم

أبص لها وأقول من قلبي
إنتِ هترجعي… بإذن الله هترجعي.
وفعلًا، واحدة واحدة، بدأت ترجع.
وشها نور.
كلامها اتظبط.
ضحكتها رجعت.
عينها بقى فيها حياة.
لحد ما أقدر أقول إنها رجعت حوالي 80 من طبيعتها.
وقفت يوم أبص لها، ودموعي نزلت.
سبحان الله… ربنا لما بيفتح، بيفتح من أوسع أبوابه.
الناس كانت فاكرة إن السر في شطارتي في الطبخ.
لكن والله ما كان ده السبب الوحيد.
السبب الحقيقي… إن ربنا شاف نيتي.
شاف إني خدت بإيد واحدة الكل سابها.
شاف إني سترت حد محتاج ستر.
شاف إني ما قفلتش بابي في وش الضعيف.
وعشان كده… كرمني.
والأغرب من كل ده؟
إن الخير ده أثر حتى على أمي.
أمي اللي كانت تكسرني بالكلام، فجأة بقت تعاملني كأني أهم شخص في البيت.
ليه؟
لأني بقيت أديها فلوس.
تغيرت معاملتها 180 درجة.
بقت تقول لي بابتسامة ما كنتش أعرفها منها
يا هبة يا بنتي…
يا ضهري…
ربنا يرضى عليكي.
كنت أسمع وأبتسم في سري.
مش شماتة… لكن استغراب من الدنيا.
قد إيه الفقر بيكشف، وقد إيه الرزق بيغير وشوش ناس.
أهلي كلهم حالهم اتغير.
وأنا كمان… شغلي كان محتاج خطوة أكبر.
كان لازم عربية.
ولما جالي إعلان محترم، وأخدت مبلغ كويس، خلال شهر واحد كنت شارية عربية.
أخويا بقى يوصل الطلبات، وأنا أديه فلوس.
وبعدها اتعلمت السواقة بنفسي.
ولأول مرة… بقيت ست مستقلة فعلًا.
أطلع، أنزل، أشتغل، وأعتمد على نفسي.
كبرت صفحتي على الفيس والانستجرام والناس بقت تعرفني بالاسم.
وبقيت لما أمشي في منطقتنا، أسمع همسات فيها فخر وحب
دي هبة بتاعة الحلويات.
دي اللي أكلها يجنن.
وكل مرة كنت أسمع الجملة دي، قلبي يبتسم.
لأني فاكرة الأيام اللي كنت فيها بدور على فرصة… ومش لاقية غير أبواب مقفولة.
وفي يوم، وأنا واقفة في الشغل، لابسة المريلة، وإيدي مليانة دقيق وسكر، دخلت عليا ست محترمة ومعاها بناتها.
استقبلتهم كويس، وفاكرة إنهم جايين يطلبوا أوردر.
لكن الست بصتلي بابتسامة هادية، وقالت
إحنا جايين نطلبك… عروسة.
اتجمدت مكاني.
ضحكت وأنا مش مستوعبة، وافتكرت إنها بتهزر.
لكنها كملت بكل جدية
إحنا شفناكي في المناسبة الفلانية، وسألنا عنك، وكل الناس شكروا في أخلاقك وشغلك.
وعرفنا إنك بنت أصول.
قالت إن

أخوها بيدور على بنت بالمواصفات دي.
كان اسمه محمود.
راجل محترم، سبق له الجواز، وجوازته ما نجحتش، وبعدها قعد سنين رافض يتجوز تاني.
أبويا قابله، واتكلموا كتير.
ولما رجع، بصلي بنظرة ارتياح نادرة، وقال
الراجل ده… يتشال على الراس.
اتجوزنا.
لكن قبل الجواز، قعدت قدامه وقلت له بصراحة، وأنا خايفة الحقيقة تخوفه
أنا عندي شغل.
وعندي ابن.
وعندي أخت مسؤولة مني.
وحكيت له كل حاجة.
ما خبيت نقطة.
بصلي بهدوء، من غير ما يرمش، وقال
أنا قابل بيكي زي ما إنتِ.
وابنك ابني.
وأختك في عيني.
وسكت شوية، وبعدين قال الجملة اللي جبرت قلبي
لو عايزة تجيبيها تعيش معانا في الملحق، أهلاً وسهلاً.
ولو عايزة أخوكي يقعد معاها، أهلاً وسهلاً.
عيطت يومها.
مش عشان الكلام…
عشان أول مرة أقابل راجل شايفني كاملة، مش عبء، ولا مشكلة، ولا حمل تقيل.
وفعلًا، أخدت منى وأخويا معايا.
لأن منى بقت جزء مني.
ما كنتش أقدر يمر يوم من غير ما أشوفها.
عشت في بيت جوزي الجديد، وأنا مطمنة.
محمود كان راجل بمعنى الكلمة.
يساعدني، يهتم بيا، يساندني في شغلي، ويعامل ابني كأنه ابنه.
يشيله، يخاف عليه، يذاكر له، يفرح بيه.
وقتها فهمت…
اللي بيتوكل على ربنا ما بيضيعش.
واللي يزرع خير… بيحصد خير.
أنا مؤمنة إن ربنا ما فتحش عليا إلا لأني كنت
مسؤولة عن إنسانة ضعيفة، ملهاش حد.
أهلي للأسف كانوا متخلين عنها.
وأمي أكتر من مرة حاولت تقنع أبويا يودوها مستشفى الأمراض النفسية.
لكن أنا رفضت.
قلت لهم
حرام.
مش كل مريض نفسي لازم يتساب بعيد.
في ناس كتير تقدر تعيش وسط أهلها، لو في علاج، وصبر، ورحمة.
كنت بتوجع من قلبي وأنا شايفة أمي قاسية عليها بالشكل ده.
وأقول لها
لو كانت بنتك… كنتِ رضيتي؟
ومن ساعتها، عاهدت نفسي
منى هتفضل مرتاحة طول ما أنا عايشة.
ولحد النهارده… هي معايا.
وفي أحسن حال.
بقت بالنسبة لي مش أختي بس…
بنتي.
ولو في كلمة أقولها من قلبي لكل حد
ازرعوا الخير.
ما تستعجلوش الحصاد.
يمكن يتأخر… لكنه بييجي.
اللي يزرع رحمة، يحصد رحمة.
اللي يزرع ستر، يحصد ستر.
اللي يزرع قسوة… هيلاقيها يومًا ما.
ارحموا أولادكم.
احتووهم لو الدنيا وقعت عليهم.
ما تبقوش أنتم والدنيا عليهم في نفس الوقت.
وخدوا

بالكم…
ما تستهزأوش بمريض.
ما تعايروش فقير.
ما تفكرّوش حد بماضي تاب منه.
قولوا بس
الحمد لله الذي عافانا.
وادعوا للناس بالخير.
يمكن في يوم… تبقوا أنتم أحوج لحسنة واحدة.
بقلمي نرمين عادل همام
لو عجبتكم الرواية… متابعة لصفحتي
تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى