نمُت ليلتها على الكنبة وأنا حاسس إني غريب في بيتي، كل ركن في الشقة كان بيفكرني بوقفتها معايا.. السجاد اللي نقيناه سوا، العفش اللي ساعدت في تمنه بقلب راضي، وصورنا اللي مالي الحيطان. الصبح طلع، وقومت على صوتها وهي بتلبس الولاد عشان المدرسة.
حاولت أصحيها، أقول صباح الخير، ألمس إيدها.. بس كانت بتتحرك كأنها إنسان آلي، ملامحها خالية من أي تعبير، بتتعامل معايا كأني هوا. نزلت الولاد ورجعت، ولقيتها قاعدة بتشرب قهوتها وبتبص من الشباك على عمارة أختها.
قعدت قدامها وقولت بصوت واطي
أنا كلمت منى أختي، ووقفتها عند حدها..
وكلمت أمي وقولتلها إن كلامنا كان غلط، وإنك حرة في مالك وتعبك.
بصت لي بابتسامة سخرية توجع، وقالت
تفتكر ده كفاية؟ تفتكر لما تروح تطفي الحريقة اللي أنت ولعتها، يبقى كده خلاص؟ أنت روحت قولت ليهم أماني زعلت، مروحتش قولت ليهم أنا غلطت في حق مراتي. هما دلوقتي شايفيني الست اللي مسيطرة عليك واللي منعتك تديهم حقهم اللي أنت وهمتهم بيه.
قامت وقفت وكملت وهي بتمسح تراب وهمي من على التربيزة
أنا النهاردة نازلة مع أختي، هنشتري التلاجة والشاشة.. ومن مالي الخاص يا أشرف، والوصلات هتتكتب باسمي واسمها.
وأي حد من أهلك هيفتح بوقه بكلمة، الرد هيكون مني أنا، مش منك.. لإن اللي مبيعرفش يحمي خصوصية بيته، مبيتحاماش فيه.
وقفت قدام المراية تلبس طرحتها، وبصت لي في المراية وقالت
البيت ده من النهاردة هيمشي بالنظام.. ميزانية الأكل
والشرب والولاد والدروس عليك أنت بالكامل، زي ما الشرع بيقول، وزي ما الرجالة بتعمل. وتعب شقايا هيروح للي يستحق، لأختي اليتيمة اللي ملهاش حد غيري، ولنفسي اللي نسيتها عشان أكبرك وأكبر بيتك. لو قدرت تشيل الشيلة دي لوحدك، يمكن ساعتها أحس إنك بدأت تفهم يعني إيه مسؤولية.. ويعني إيه راجل.
خدت شنطتها ومفاتيحها، وقبل ما تخرج بصت لي وقالت جملة نزلت عليا زي الصاعقة
على فكرة.. أختي رغم ظروفها كانت جايبة لي طقم دهب هدية بمناسبة ترقيتي اللي أنت متعرفش عنها حاجة، وكان نفسها تفاجئني بيه في عيد ميلادي..
بس بعد اللي حصل، أنا قولتلها تبيعه وتكمل بيه جهازها،
خرجت ورزعت الباب، وسبتني واقف مكاني، مش بس شايل هم المصاريف اللي هتتضاعف عليا، أنا شايل هم نظرة الاحتقار اللي شوفتها في عينيها، والسر اللي كانت مخبياه عني عشان تفاجئني بيه، وأنا ضيعته بغبائي.
مر أسبوع على الحالة دي، والبيت مابقاش هو البيت. أماني تحولت لظِل موجود معانا بس روحها مش هنا، بتعمل كل واجبات البيت بدقة مرعبة، بس من غير نَفَس، من غير الضحكة اللي كانت بتملى المكان.
أنا بدأت أحس بضغط الميزانية من أول يومين؛
دروس الولاد، وطلبات البيت، وفواتير الكهرباء والغاز اللي كانت هي دايمًا بتدفعها من سكات عشان متضغطش عليا، فجأة لقيتهم كلهم فوق دماغي. كنت بشوفها وهي راجعة من بره وشايلة شنط لجهاز أختها، كانت بتدخل بيهم أوضتها وتقفل الباب، ولا كأني موجود، ولا كأني
ليا حق أعرف جابت إيه ولا بكام.
في يوم، جرس الباب رن، كانت والدتي. دخلت وهي شايلة ملامح الهجوم، وقبل ما تقعد قالت بصوت عالي وهي باصة لأماني اللي كانت طالعة من المطبخ
إيه يا ست أماني؟
سمعت إنك روحتي جبتي تلاجة ماركة غالية لأختك، ومنى بنتي يا عيني لسه بتلف على تمن غسالة نص أوتوماتيك؟ مش عيب يبقى خيرك لبره وأهل جوزك أولى؟
أماني وقفت بكل هدوء، قلعت جوانتي المطبخ، وبصت لأمي بنظرة خلتني أنا نفسي أترعش، وقالت بصوت ثابت زي الرصاص
البيت ده يا حماتي، أشرف هو اللي شايل مصاريفه مليم بمليم من أسبوع، اسأليه قصرت معاه في لقمة ولا لبس ولاده؟ أما مالي وتعب شقايا ، فأنا حرة فيه..
أجهزه لأختي اليتيمة، أو أرميه في البحر، محدش ليه عندي كلمة.
وأختي اللي يتيمة الأب والأم، هي عندي أولى من أي حد، لأن ده واجبي قدام ربنا، مش فضل مني.
أمي بصت لي وقالت بصوت عالي
شايف يا أشرف؟ شايف مراتك بتكلمني إزاي؟ انطق، قول حاجة!
بصيت لأماني لقيتها مستنية ردي، وكأنها بتقولي دي آخر فرصة ليك عشان تكون راجل في نظري. بلعت ريقي وقولت لأمي وصوتي بيترعش بس بوضوح
أماني عندها حق يا أمي. أنا اللي غلطت لما حكيت ليكم خصوصياتنا، وأماني مش ملزمة تجهز حد، كفاية إنها شايلة بيتي وعيالي.
يا ريت نقفل الموضوع ده، ومنى ربنا يرزقها ويرزق اللي داخل عليها، بس مش من جيب مراتي.
أمي قامت وهي بتبرطم وبتدعي عليا وعلى اللي غيرت حالي، وخرجت وقفلت الباب وراها برزع.
لفت
أماني ليا، ولأول مرة من أسبوع، ملامحها لانت سنة بسيطة، بس لسه فيها قسوة. قالت لي
الكلمتين دول لو كانوا اتقالوا من أول يوم، مكنش ده بقى حالنا. بس كويس إنك بدأت تفهم إن الرجولة مش إنك تلم أهلك على مراتك، الرجولة إنك تكون الحيطة اللي بتصد عنها.
قربت منها وقولت
أماني.. أنا تعبت من العيشة دي، مش قادر على البُعد ده.
والفلوس والمصاريف غارت، فداكي وفدا أختك، بس نرجع زي الأول.
بصت لي بوجع وقالت
أنا كمان تعبت يا أشرف.. بس الجرح اللي في كرامتي لسه بينزف. أنت محتاج وقت عشان تثبت لي إنك مش هتروح بكره تحكي لأمك إني كسرت كلمتها عشان ترضيها تاني. الثقة بتبنيها سنين، وتهدها بكلمة.. وأنت هديتها، فاصبر عليا لما أبنيها من جديد.
دخلت أوضتها، بس المرة دي، مسابتش الباب مقفول بالترباس.. سابته موارب، كأنها بتديني إشارة إن الطريق لسه مفتوح، بس محتاج مجهود حقيقي مني عشان أعديه
يوم الفرح كان عبارة عن لوحة أماني رسمتها بصبر وتعب سنين.
القاعة كانت فخمة، وهند أختها كانت طالعة زي الملكة بفضل مجهود أماني وتعبها. كنت واقف ببدلتي، شايف نظرات الهمس واللمز من أهلي اللي قاعدين في ترابيزة لوحدهم، وعينيهم مش مفارقة أماني، كأنهم بيدوروا على أي غلطة أو بيعدوا عليها الفستان اللي لابساه اتكلف كام.
أماني كانت بتتحرك في القاعة بخفة، بترحب بالناس، وضحكتها رجعت تنور وشها بس كانت رسمية معايا زيادة عن اللزوم. مكنتش بتسيب إيد هند لحظة، كأنها بتطمنها
إن ضهرها لسه محمي.
قربت منها
وسط الزفة، ووشوشتها طالعة زي القمر يا أم الولاد.. تسلم إيدك على كل اللي عملتيه لهند، رفعتي راسنا.
بصت لي بنظرة سريعة فيها تقدير هادي وقالت ده واجبي يا أشرف، أختي ملهاش غيري.. ياريت بس الليلة تعدي على خير ومن غير مشاكل.
في وسط الفرح، أمي شاورت لي، روحت لها لقيتها بتقول بصوت واطي ومسموع للي حوالينا ما شاء الله، الست أماني مش محرمة أختها من حاجة.. ياريت تبقوا تفتكروا منى بحاجة بسيطة كدة من اللي هند غرقانة فيه ده، ولا هو القريب أولى بالمعروف؟
أماني كانت قريبة وسمعت الكلمة. وقفت مكانها وبصت لأمي بابتسامة هادية بس تخوف، وقالت بكل رقي أكيد يا حماتي، القريب أولى بالمعروف فعلاً..
وأنا مفيش أقرب مني لأختي اليتيمة اللي شيلت همها وأنا لسه عيلة صغيرة. ومنى خطيبها راجل وسيد الرجالة، وأكيد مش هيرضى إن حد غيره يجهز مراته، وإلا يبقى بيقل من نفسه، مش كدة يا أشرف؟
أمي سكتت خالص واتحرجت، وأنا وقفت بكل فخر وقولت صح يا أماني، كل واحد بيشيل شيلته.. وإحنا هنا عشان نفرح بهند وبس.
خلص الفرح، ورجعنا بيتنا. أماني كانت مهدودة من التعب، بس عينيها كانت بتلمع بالرضا. وتاني يوم الصبح، قبل ما أي حد يصحى، قولت لها أماني، البسي.. إحنا هنروح نبارك لهند في بيتها.
دخلنا شقة هند،
كانت لسه بريحة الدهان والفرش الجديد اللي أماني جابته. قعدنا نبارك، وفي لحظة صفاء، طلعت ظرف تقيل وحطيته في إيد هند.
هند برقت وقالت إيه ده يا أبيه أشرف؟ لا والله ما يحصل.. أماني ماقصرتش فى حاجة، وكتر خيرك إنك وقفت جنبها.
بصيت لأماني اللي كانت مذهولة، وقولت لهند بصوت طالع من القلب يا هند، دي نقطتك مني أنا.. بعيد عن أماني خالص. ده مبلغ بسيط عشان لو احتاجتي أي حاجة في بداية حياتك، أو في حاجة ناقصة في البيت مخدناش بالنا منها.
أنتِ أختي الصغيره، وزي ما أماني شالتك في عينيها، أنا كمان لازم أشيلك في عيني.
أماني في اللحظة دي فقدت السيطرة على دموعها. بصت للظرف وبصت لي، وحسيت إن كل الجدران اللي كانت بنيتها بيني وبينها اتهدت في لحظة.
قربت مني ومسكت إيدي قدام أختها وقالت بصوت مخنوق أشرف.. أنت عملت كده إزاي؟ والمصاريف اللي إحنا فيها؟
رديت عليها وأنا ببتسم اللي بيتقي الله في يتيم، ربنا بيفتحها في وشه يا أماني.. وأنا اتعلمت منك إن السند مش بس كلام، السند فعل. ومصاريف بيتنا ربنا هيدبرها، بس كان لازم أختي تعرف إن ليها أخ يسد عنها وقت اللزوم.
هند حضنت أماني وهما الاتنين بيعيطوا، وأنا واقف حاسس لأول مرة براحة بال مش طبيعية. أماني بصت لي وقالت جملة واحدة كانت كفاية
تنهي كل الخلافات
أنا النهاردة بس يا أشرف، عرفت إني متجوزة راجل بجد.. والقرش اللي أنت دفعته ده، رجع لي روحي اللي كانت مكسورة.
بعد ما خرجنا من عند هند، وأماني طول الطريق ساكتة، بس السكوت المرة دي كان مختلف.. كان سكوت رواق وهدوء نفس. أول ما دخلنا البيت، وقفلت الباب ورايا، لفت لي وبصت لي نظرة طويلة، وبعدين قربت مني وقلعتني الجاكيت بتاع البدلة بإيديها، وقالت بصوت هادي وحنين
أشرف..
أنا مش بس فرحانة بالفلوس اللي إديتها لهند، أنا فرحانة إنك خليتني أحس إني مش لوحدي في المعركة دي. طول عمري كنت بحارب عشان أسترها، وأول مرة أحس إن في ضهر بجد ساندني مش بيحاسبني.
ابتسمت وقولت لها يا أماني أنا اتعلمت الدرس، وعرفت إن البيت اللي مفيهوش خصوصية مبيتبنيش، والست اللي بتشيل مع جوزها دي جوهرة لازم يتحافظ عليها مش تتفضح قدام الناس.
دخلت أماني الموضة، وبعد شوية طلعت وهي ماسكة فيزا تانية غير اللي كنت أعرفها، وحطتها في إيدي. استغربت وقولت لها إيه دي يا أماني؟
قالت لي وهي بتبتسم دي فيزا الترقية يا أشرف..
فاكر لما قولتلك إن هند باعت الدهب؟ الحقيقة إنها مبعتوش، أنا اللي كنت شايلة مبلغ الترقية ده عشان نعمل بيه عمرة سوا أنا وأنت والولاد في إجازة الصيف. بس لما حصلت المشكلة، قولت
في نفسي إنك متستاهلش.. بس النهاردة، أنا بقولك إنك تستاهل وتستاهل قوي كمان.
حسيت ب غصة في حلقي من كرمها، وقولت لها لا يا أماني، خلي القرش ده ليكي، أنا هشد حيلي في المصاريف وهعوض كل حاجة.
ضحكت وقالت بلهجتها المصرية الأصيلة يا راجل بطل غلبة، إحنا واحد.. والنظام اللي فرضته عليك الأسبوع اللي فات ده كان قرصة ودن بس عشان تفوق.
من بكرة، الميزانية هترجع زي الأول، إيدنا في إيد بعض، والقرش اللي يفيض هنشيله لزمن، بس بشرط واحد..
رفعت صباعها بتهديد لطيف وكملت أسرارنا متخرجش بره عتبة الباب ده، وحماتي ومنى ليهم كل الود والاحترام، بس مال أماني وخصوصية أماني.. خط أحمر.
ضحكت وسحبتها من إيدها وقولت لها ده أنا اللي هقف على الباب ده ب سلاح، وأي سر هيفكر يخرج، هحبسه.
الليلة دي كانت أول ليلة ننام فيها وإحنا متصالحين بجد، مفيش حد شايل من التاني، مفيش أنا وأنت.. رجعت أماني السند والضهر، ورجع أشرف الراجل اللي بيعرف يحوي على بيته ويحمي خصوصيته.
وبالفعل، الأيام اللي جت بعد كده أثبتت إن المحنة دي كانت منحة، خلت علاقتنا أقوى، وأهلي لما شافوا حزمي معاهم وفي نفس الوقت كرمي مع أختها، بدأوا يعملوا لأماني ألف حساب، وعرفوا إن الست اللي بتسكت وبتشيل، مش ضعيفة.. دي ست أصيلة، والأصيل
ميتفرطش فيه أبدًا.
تمت