ولا في سقف البيت ولا شبابيك الألوميتال.
المشـ . ـكلة كانت في مكانتها عنده.
دخلت الأوضة، طلعت شنطة السفر القديمة اللي كانوا بيسافروا بيها زمان، وبدأت تلم حاجتها.
بهدوء تام.
من غير صويت ولا عياط.
هدومها.. ورقها.. شاحن الموبايل.. وكوبايتها الزرقاء اللي فيها شرخ صغير اللي كانت جايباها من قبل الجواز.
نبيل في الأول ما صدقش.
إنتي بتعملي إيه؟ إنتي اتهبلتي؟
هناء قفلت السوستة وبصتله
لأول مرة من سنين..
أنا فوقت.
بدأ يقولها إنها بتكبر الموضوع، وإن الستات الأصيلة ما بتسيبش بيوتها عشان فلوس.
ابتسـ . ـمـ .
ـت بمرارة.. الناس دايماً بتقول عشان فلوس لما بيخـ . ـافوا يسـ . ـموا الوجـ . ـع باسـ . ـمه الحقيقي.
نزلت هناء في البرد بشنطة واحدة.
راحت لصاحبتها سارة، اللي فتحتلها الباب من غير ما تسأل. خدت منها الشنطة، وسابتها تعيط في صمـ . ـت وهي بتعملها حاجة تشربها.
قعدت هناء على الكنبة، والموبايل في إيدها مقلوب.
لما هزّ تالت مرة ورا بعض، سارة قالتلها
شوفي مين.. يمكن حاجة مهمة.
فتحت هناء الموبايل.
الرسالة ما كانتش من نبيل.
ولا من البنك.
كانت من الست فوزية.
فتحت الرسالة..
ومن أول سطر، عرفت هناء إنها طول الشهور اللي فاتت، كانت فاهمة الحكاية كلها غلط..
عنيها زغللت وهي بتقرأ الكلام.. الحروف كانت بتجري قدامها كأنها كرباج. الرسالة كانت طويلة، وصادمة لدرجة إن هناء حست إن الأرض بتلف بيها.
الرسالة كانت بتقول
بقولك إيه يا هناء.. أنا عارفة إنك إنتي اللي ممشية الحسابات في البيت، وعارفة إن نبيل خاتم في صباعك وبتقوليله يعمل إيه وما يعملش إيه. الفلوس اللي بعتها نبيل المرة دي ال 25 ألف وصلت، بس خليكي فاهمة إن ده قليل على اللي عملته عشانه. وبدل ما تقعدي تنقي معاه في القرش، علميه إزاي يرضي أمه بجد.
أنا لسه مخلصتش توضيب الشقة هنا، وعايزة أغير السجاد كمان قبل العيد.. فلو فاكرة إنك هتكيشوا الفلوس عشان تشتروا شقة في القاهرة وتنسوني، تبقى عبيطة. نبيل ابني أنا، والقرش اللي في إيده مالي أنا فيه حق قبل منك ومن أهلك.
هناء فضلت باصة للشاشة.. الرسالة ما كانتش رسالة ست محتاجة ولا أم مريضة. دي كانت رسالة إعلان حـ . ـرب وفرض سيطرة. هناء اكتشفت إن نبيل مش بس كان بيديها فلوس، ده كان بيديها صك ملكية عليها وعلى حياتهـ . ـم، وكان بيشتري رضاها بفلوس شقاهم. والأدهى من كده، إنه كان بيكـ . ـذب على أمه ويقولها إن هناء هي اللي مـ . ـتحكمة عشان يرمي الحمل عليها، وفي نفس الوقت يجي يمثل على هناء دور الابن البار المغلوب على أمره!
المواجهة الكبرى
سارة صاحبتها دخلت عليها الصالة، لقتها وشها خشب.
في إيه يا هناء؟ نبيل بعت حاجة؟
هناء مدت إيدها بالموبايل من غير ولا كلمة. سارة قرأت وبقها اتفتح من الصدمة
يا نهار أسود! دي مش عايزة فلوس، دي عايزة تهد البيت! والمنيل جوزك مطلعك إنتي اللي وحشة قدامها ومطلعها هي غولة قدامك؟
هناء قامـ . ـت وقفت، ومسحت دمـ . ـوعها بعنـ . ـف. الضعف اللي كان فيها اتحول لنـ . ـار.
أنا مش هقعد هنا يا سارة.. أنا راجعة.
راجعة فين؟ إنتي اتجننتي؟ ده لسه قايلك إنتي مجرد زوجة!
راجعة أخد حقي.. نبيل مش بس ضيع تحويشة عمري، ده ضيع كرامـ . ـتي ولبسني وش مش وشي.
العودة ل بيت الطاعة المزعوم
رجعت هناء البيت الساعة 2 بالليل. لقت نبيل قاعد في الصالة، والبيت ريحته سجاير، وشـ . ـكله كان مهزوز بس بيحاول يبان قوي.
أول ما شافها داخلة، وقف وقال بنبرة فيها سخـ . ـرية
أدي آخره اللف في الشوارع؟ عرفتي إن مالكيش غير بيتك؟
هناء ما ردتش. مشيت بهدوء، حطت الشنطة في نص الصالة، وطلعت الموبايل وفتحت الرسالة وصدرتها في وشه.
إقرأ يا نبيل.. إقرأ الست الوالدة المريضة الغلبانة اللي سقف بيتها بيقع كاتبة إيه.
نبيل أول ما شاف الرسالة، لونه خطف. بدأ يتلعثم
أصل.. أصل هي كانت زعلانة..
أنا كنت مأفهمها إنك إنتي اللي ماسكة القرش عشان ما تطلبش كتير.. كنت بداري عليكي وعليها.
هناء ضحكت ضحـ . ـكة عالية، ضحـ . ـكة وجـ . ـع
بتداري؟ إنت كنت بتلعب بينا بنج بونج! كنت بتروح تقولها هناء هي اللي مانعة عنك الفلوس عشان تكـ . ـرهني، وتيجي تقولي دي أمي وتعبانة عشان تكسر عيني! إنت عارف يا نبيل؟ أنا ما ندمـ . ـتش على مليم راح للست دي، أنا ندمـ . ـت على كل ثانية صدقت فيها إنك راجل بيحاول يوازن بين بيته وأمه.
لحظة الحساب
اسـ . ـمع بقى يا ابن الأصول..
الشقة دي إيجارها مدفوع لحد آخر الشهر، والعفش ده نصه من جهازي ونصه اشتريناه سوا. التحويشة اللي في البنك نصها يرجعلي في حسابي الصبح.. مليم ينقص، هعملك محضر تبديد وفضيحة في مصنعك وبكـ . ـره الصبح هرفع قضية خلع.
نبيل اتجنن
خلع؟ عشان فلوس راحت لأمي؟ إنتي عايزة تخربي بيتنا عشان شوية ورق؟
البيت اتخرب يوم ما قولتلي إني مجرد زوجة. الزوجة دي هي اللي كانت بتصحى الساعة 6 الصبح عشان توفر مواصلات وتمشي على رجليها عشان تحوش القرش ل شقتنا. الزوجة دي هي اللي شالت همك وهم أهلك وهي ساكتة.
لو الأم مقدسة، فالجواز ميثاق غليظ يا أستاذ، وإنت نقضت العهد.
نبيل حاول يمسك إيدها، يمثل دور الضحيـ . ـة تاني
يا هناء فكري.. العمر اللي فات.. الناس هتقول إيه؟
هناء زقت إيده بقوة
الناس هتقول إني فوقت قبل ما العمر كله يضيع في سجاد وستائر وألوميتال لشقة مش بتاعتي، مع راجل مش شايفني أصلاً. الفلوس هترجع يا نبيل، والورقة هتوصلك.
النهاية الجديدة
هناء خرجت المرة دي وهي مش حاسة بالبرد. حاسة إن حمل جبل انزاح من على أكتافها.
بعد شهرين، كانت هناء قاعدة في مكتبها الجديد في شركة تانية بمرتب أحسن.
نبيل حاول يرجعها ألف مرة، وحمـ . ـاتها بعتت ناس تصلح، بس هناء كانت قفلت الباب ده ورمـ . ـت المفتاح في النيل.
رجعت تعيش في بيت أهلها بكرامـ . ـتها، وبدأت تحوش من أول وجديد، بس المرة دي لنفسها.. لشقتها هي.. لمـ . ـستقبلها هي.
الدرس كان غالي، كلفها ست سنين، بس علمها إن الأصل مش بس في بر الوالدين، الأصل في الصدق والوضوح، وإن اللي ما يقدرش شريك حياته ويخليه رقم 1 في حياته الخاصة، ما يستاهلش يكمل معاه المشوار.
هناء اكتشفت إنها فعلاً مش مجرد زوجة..
هناء اكتشفت إنها كيان كامل، والزوج اللي ما يشوفش الكيان ده، يبقى هو اللي مجرد محطة في طريقها.. محطة عدت، والطريق لسه طويل ومنور.
حكايات انجي الخطيب