
التفتتْ إليّ أمي ونظراتها تشع تحديًا، وقالت بصوت صلب: “ادخلي جوه يا ندى واقفي بعيد عن البلكونة، الستات دي مش جاية تتفاهم، دي جاية ترد اعتبارها قدام الحارة.. بس على مين؟ ده أنا سناء!” نزلتْ أمي إلى المطبخ، وعادت وهي تحمل في يدها زجاجة مياه غازية فارغة من الزجاج الثقيل، وراحت تملأ وعاءً كبيرًا بماء ساخن من السخان، ثم أضافت إليه كمية ضخمة من مسحوق الغسيل وبعض الزيت، وقالت بضحكة مكتومة: “عشان الأرض تبقى زحلقة، واللي يدخل عمارة سناء يعرف إنه داخل على مو.ته.”
في الأسفل، كان صوت الحاجة فوزية يزداد تباجحًا، وخالات حسام يصفقن ويطلقن عبارات مسمومة تهز جدران الشارع: “اطلعي يا خطافة الرجالة يا سناء! اطلعي يا اللي بنتك بايرة ومطلقة ومحدش طايقها! اطلعي ورينا طولك يا بلطجية الحتة!” الجيران بدأوا يفتحون الشبابيك، والبعض وقف في الشارع يتفرج على “الردح” العلني الذي تقوده فوزية. وفي تلك اللحظة، فتحت أمي باب شقتنا، ونزلت درجات السلم بثقة وثبات، وأنا أرتعد خلفها وأمسك بطرف عباءتها محاولةً منعها: “عشان خاطري يا ماما بلاش، دول كتير وممكن يئذوكي!”
أمي لم تلتفت إليّ، بل نزلت حتى وصلت إلى مدخل العمارة، ووقفت على العتبة الخارجية، واضعةً يدها في وسطها، وعيناها تتفحصان الوجوه باحتقار. بمجرد أن رأتها فوزية، صرخت كالمجنونة: “أهي جت البلطجية اهي! شفتوا يا ناس الست اللي ض.ربتني في بيتي وشردت ابني؟ شفتوا اللي خربت بيت بنتها عشان كبريائها الكداب؟” تقدمت “روايح”، أخت فوزية الكبرى، وكانت ضخمة الج,,ثة وتحمل في يدها عصا خشبية غليظة، وقالت بوقاحة: “إحنا جينا نربيكي يا سناء، وجينا نرد القلم اللي ادتيه لأختنا في وسط بيتها.. والنهاردة مفيش راجل هيرحمك من إيدينا!”
أمي لم تهتز شعرة واحدة منها. نظرت لـ “روايح” من أسفل لأعلى وقالت بنبرة تقطر برودًا وثقة: “تربوا مين يا شوية شرشوحّات؟ إنتِ وهي جايين تلموا الحارة وتعملوا نمرة؟ فوزية انض.ربت عشان مدت إيدها على بنتي في غياب جوزها، وانض.ربت حق وعدل. وجوزها جه وباس الإيدين عشان أرجعها ورفضت، فجايبالي أخواتك عشان تعملي بيهم عزوة؟” صرخت فوزية: “كدابة! ابني ميبوسش إيدين حد! اض.ربوا يا ستات علموا عليها وعلى بنتها!”
اندفعت “روايح” ومعها خالة حسام الثانية “نادية” نحو مدخل العمارة، وفي أيديهن المقشات والعصي. لكن أمي كانت أسرع من البرق؛ في لمح البصر، سحبت وعاء الماء الساخن والمخلوط بالصابون والزيت الذي كانت قد وضعته خلف الباب، وسكبته بكل قوتها على عتبة العمارة والمنحدر المؤدي للشارع. “روايح” وهي تندفع بقوة، داست قدمها على الزيت والصابون، وفي ثانية واحدة، طارت في الهواء كأنها بهلوان في سيرك، وهبطت على ظهرها بصرخة زلزلت الشارع، لتسمع عظامها وهي ترتطم بالأرض بشدة!
أما “نادية” فحاولت التوقف، لكن اندفاعها جعلها تتزحلق هي الأخرى وتسقط فوق أختها “روايح” ليتشابكا معًا في منظر مضحك ومخزٍ وسط ذهول باقي النسوة وضجج ضحكات مكتومة من الجيران في البلكونات. لم تنتظر أمي حتى يستوعبوا ما حدث. نزلت إليهم كالإعصار، وفي يدها زجاجة المياه الغازية الفارغة. سددت ض.ربة خاطفة لـ “نادية” التي كانت تحاول النهوض، ثم التفتت إلى الحاجة فوزية التي تجمدت في مكانها من الرعب.
أمسكت أمي بفوزية من شعرها الذي تطاير من تحت حجابها، وقالت وهي تهزها بقوة: “أنا قولتلك المرة اللي فاتت البيت ده ملوش راجل، بس الظاهر إنك مابتفهميش إلا بالض.رب!” وبدأت أمي تسحب فوزية في وسط الشارع وهي تلقنها درسًا قاسياً جديداً، وسط صراخ خالات حسام المستلقيات على الأرض واللاتي لم يقدرن على النهوض بسبب كسر في الحوض لـ “روايح” والتواء شديد في قدم “نادية”.
تجمع شباب المنطقة بسرعة، وبدلاً من أن يتدخلوا لإنقاذ فوزية، وقفوا كحائط سد لمنع باقي نسوة عائلتها من الاقتراب من أمي، فالجميع في الحارة يعرفون الحاجة سناء وأصولها وأنها لا تظل,,م أحداً بل ترد اعت,,داءً سافراً على بيتها. صاحت أمي في وسط الشارع وهي تمسك بفوزية الراكعة على ركبتيها تبكي وتستغيث: “اسمعي يا فوزية إنتِ وشوية الأراجوزات اللي جايباهم معاكي! بنتي ندى خط أحمر.. والمرة الجاية مش هض.ربك، المرة الجاية هحبسك بالقانون وبتهمة التهجم على بيتي والبلطجة، والجيران كلهم شهود!”
دفع تها أمي بقوة فسقطت فوزية بجانب شقيقاتها، والدموع والنكد يملآن وجهها بعد أن تحولت “غزوة رد الاعتبار” إلى فضيحة بجلاجل في وسط الحي. انسحبت النسوة وهن يجرجرن أذيال الخيبة والكسر، يحملن “روايح” و”نادية” اللاتي لم يستطع,,ن المشي، وفوزية تولول وتتوعد بصوت مبحوح: “ماشي يا سناء.. والله ما هسيبك، وحسام هيوريكي النجوم في عز الظهر!” صعدت أمي إلى الشقة وهي تعدل إيشاربها، وأنفاسها متلاحقة من المجهود، لكن ملامح النصر كانت تملأ وجهها. نظرت إليّ وقالت: “شفتي يا ندى؟ الضعيف في الدنيا دي بيتاكل.. والست اللي ملهاش ضهر بيتعمل عليها حفلات. تفتكري حسام يسكت بعد اللي حصل لأمه وخالاته في الشارع؟”
لم أجد ردًا، فالمعركة الآن لم تعد مجرد خلاف زوجي أو طلاق.. لقد تحولت إلى حرب كسر عظام بين عائلتين، والآتي يبدو أنه سيكون أشد وأخطر بفتيل يشعله حسام الغاضب لكرامة أمه المهدرة في وحل الشارع… لم تمر سوى ساعات قليلة حتى تحول الشارع الهادئ إلى ثكنة عسكرية من القيل والقال. الجيران في الشرفات يتناقلون تفاصيل “ملحمة الصابون والزيت”، وكيف حوّلت الحاجة سناء خالات حسام إلى بهاليل يتساقطون أرضًا. لكنني كنت أعرف حسام جيدًا؛ كبرياؤه الجريح لن يمرر هذه الفضيحة مرور الكرام، ووالدته فوزية لن تهدأ حتى ترى بيتنا خرابًا.
في المساء، وبينما كنا نجلس أنا وأمي نرتشف الشاي، قطع هدوء الشقة صوت جرس الباب. انق,,بض قلبي وركضت خلف أمي التي توجهت للباب ببرودها المعتاد. حين فتحت، لم يكن حسام، بل كان “الحاج صابر”، كبير المحامين في منطقتنا ورجل معروف بأمانته. دخل الحاج صابر وعلام,,ات القلق تكسو وجهه، وجلس في الصالون قائلًا: “يا حاجة سناء، أنا جاي لكم بصفتي جيرك وعارف أصولكم، بس الموضوع كبر.. حسام مش في وعيه، ومعه خاله الكبير الحاج رشاد، وراحوا دلوقتي حالا يعملوا محضر في القسم.”
رفعت أمي حاجبها وقالت بنبرة ساخرة: “محضر؟ وبأمارة إيه يا حاج صابر؟ هما اللي جولنا لحد بيتنا وشهّروا بينا في وسط الشارع!” قال المحامي متنهدًا: “يا حاجة، فوزية وخواتها راحوا المستشفى العام، وجابوا تقارير طبية معتبرة. روايح عندها كسر مضاعف في الحوض، ونادية عندها التواء شديد وكدم,,ات، وفوزية متبهدلة وعامله تقرير بوجود سحجات وخلع في خصل شعرها! حسام اتهمني بإنك بلطجية وبنتك حرضتك، وعملوا محضر تهجم وض.رب وإحداث عاهة مستديمة!” شعرت بالدنيا تدور من حولي، وسقطت دموعي رعبًا: “عاهة مستديمة؟ يا مصيبتي! أمي هتدخل السج,,ن بسببي يا حاج صابر؟”