منوعات

حم,,اتى وامى حكايات رومانى مكرم 4

أغلقت أمي الخط ببطء، وظل صوت الرجل الغريب يتردد في أرجاء الصالة كأنه نذير شؤم. نظرتُ إليها وركبتي ترتعشان من الخوف: “ماما.. مين ده؟ ومحل إيه اللي بيتكلم عنه؟ هما ناوين يقطعوا عيشنا؟” نظرت إليّ أمي بملامح جامدة كالرخام، وقالت وهي تضع هاتفها على الطاولة: “فوزية طول عمرها جبانة ومبتعرفش تضـ,ـرب إلا في الظهر، والراجل اللي كلمني ده ميكونش إلا أخوها الكبير.. ‘المعلم غريب’!” انق,,بض قلبي وسألتها: “المعلم غريب؟ أنتِ مش قولتِ إن خال حسام اسمه رشاد وهو اللي جه القسم؟”

ردت أمي وهي تتنحنح وتجلس على الأريكة: “رشاد ده الخال الطيب اللي عايش في حاله وبيمشي جنب الحيط، إنما غريب ده قصة تانية خالص.. ده راجل عايش في المحافظات برة القاهرة، وتقيل في سوق التجارة وله معارف وناس واصلين، وظاهره رجل أعمال وباطنه بلطجة مقنّعة بالقانون. الظاهر فوزية كلمته وعيطت له وشحنتّه ضدنا بعد فضيحة الميكروفون.” لم ننم ليلتنا تلك. كنت أتحرك في الشقة كالممسوسة، وأمي تجلس على سجادة الصلاة تدعو الله وتستغفر، لكن عينها كانت تلمع بذكاء امرأة مرت عليها من وعثاء الدنيا ما يكفي لتهد جبالًا.

في الصباح الباكر، ونحن نستعد للنزول لمحل البقالة الخاص بنا، وهو مص,,در رزقنا الوحيد الذي تركه لنا والدي رحمه الله، فوجئنا بصوت جلبة شديدة أمام المحل. ركضنا لأسفل، وكانت الصدمة بانتظارنا. سيارة ضخمة تابعة لـ “شرطة المرافق” وتقف أمام المحل، ومعها موظفون من الحي، ويقومون بتشميع المحل بالشمع الأحمر، وينقلون بعض البضائع وصناديق العرض إلى سيارة النقل! ركضت أمي نحو الموظف المسؤول وصاحت بهدوء ممزوج بقوة: “خير يا فندم؟ بتشمعوا المحل بأمارة إيه؟ أنا ورقي سليم ورخصتي مجددة وبأدفع ضرايبي أول بأول!”

نظر إليها الموظف ببرود وقال وهو يكتب في أوراقه: “جالنا بلاغ رسمي وشكوى كيدية مدعومة من جهات عليا بوجود مخالفات في التنظيم، وبروز غير قانوني للمحل على الرصيف، بالإضافة لشكوى صحية.. المحل مشمع لحد ما يتم التحقيق، والغرابة المطلوبة خمسين ألف جنيه!” في هذه اللحظة، ظهر من بعيد حسام، وكان يقف على ناصية الشارع وبجانبه رجل ضخم، يرتدي جلبابًا صعيديًا فاخرًا وعقيدًا من الذهب يلتف حول رقبته، وعيناه تقطران شرًا وشم,,اتة.. كان هو “المعلم غريب”.

نظر إلينا حسام بابتسامة نصر صفراء، بينما أشار المعلم غريب بيده لأمي بـ “تحية” ساخرة، كأنه يقول لها: *أهو ده أول الغيث!* تجمع الجيران حولنا يواسون أمي، والبعض قال بغض,,ب: “دي كوسة يا حاجة سناء! المحل ده بقاله عشرين سنة عمره ما خالف.. ده شغل المعلم غريب، الراجل ده نفوذه واصلة للحي.” عدنا إلى الشقة والدموع تعمي عيني. انهرت تمامًا وقلت: “خربوا بيتنا يا ماما! المحل اتقفل والبضاعة راحت، والناس دي مش هترحمنا.. أنا السبب في كل ده، لو كنت استحملت ضـ,ـرب فوزية مكنش حصل فينا كدة!”

التفتت إليّ أمي، ولأول مرة تنظر إليّ بحدة وقسوة، وقالت بصوت كالسيف: “إياكِ أسمعك بتقولي الكلام ده تاني! الضـ,ـرب في الكرامة ملوش دية، والمـ,ـوت أهون من العيشة وراسك مكسورة. المحل اتقفل بالشمع؟ طيب.. غريب فاكر نفسه مسكني من إيدي اللي بتوجعني، وميعرفش إن سناء مبتوجعهاش إلا كرامة بنتها!” أمسكت أمي بهاتفها، ولم تطلب شباب الحارة هذه المرة، بل بحثت في دفتر أرقامها القديم حتى توقفت عند اسم جعل وجهها يتبدل تمامًا.

اتصلت وانتظرت ثوانٍ حتى جاءها الرد، فقالت بنبرة تملأها الهيبة والأصول: “السلام عليكم يا سيادة المستشار.. معالي الباشا ‘مدحت بيه’؟ أنا سناء.. حرم المرحوم عبد الحميد. بعتذر إني بكلمك بعد السنين دي كلها، بس ضاقت بيا الدنيا، والنهاردة فيه ناس جايين يهدوا بيت عبد الحميد ويقطعوا عيش ولاياه…” استمعت أمي للرد، وابتسامة مكرة بدأت ترتسم على شفتيها وهي تقول: “تمام يا فندم.. الورق كله معايا، وتحت أمرك في المكتب بكبره الصبح.”

أغلقت أمي الهاتف، ونظرت إليّ وقالت وعيناها تشعان ببريق مرعب: “المعلم غريب لعب كارت ‘النفوذ والمعارف الكدابة’.. ميعرفش إن أبوكي الله يرحمه كان له أفضال على ناس النهاردة هما اللي بيمشوا القانون في البلد دي بكلمة منهم. البسي يا ندى، وجهزي كل الأوراق الرسمية للمحل، بكرة الحساب هيتجمع، واللي افتكر نفسه ضهر لفوزية، هخليه يلف حوالين نفسه مش عارف الضـ,ـربة جاية له منين!” حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

استيقظنا في الصباح الباكر، وكان الحزن الذي خيّم على الشقة ليلة أمس قد تبخر تمامًا، وحل محله جو من التأهب والترقب. أمي ارتدت عباءتها السوداء الفاخرة، ولفت إيشاربها بهيبة تليق بزوجة الحاج عبد الحميد، وحملت في يدها حقيبة جلدية قديمة تحتوي على كافة أوراق المحل ورخصه منذ تأسيسه. توجهنا إلى مكتب المستشار “مدحت بيه” في أحد الأحياء الراقية بالقاهرة. بمجرد دخولنا، استقبلنا بترحاب شديد واحترام كبير لذكرى والدي رحمه الله، وجلس يستمع لأمي وهي تقص عليه تفاصيل الشكوى الكيدية وتشميع المحل بتوجيه من المعلم غريب ونفوذه في الحي.

ابتسم المستشار مدحت بهدوء وقال: “يا حاجة سناء، المرحوم عبد الحميد كان صاحب فضل على الكل، وأوراقه طول عمرها سليمة زي الألف. المعلم غريب ده فاكر إن البلد فوضى، وإن معارفه الصغيرين في الحي يقدروا يكسروا القانون.. سيبوا لي الموضوع ده، وخلال ساعات المحل هيتفتح بقوة القانون، والمسؤول اللي وافق على التشميع الظالم ده هيتحاسب.”

بالفعل، لم تكد الساعة تدق الثانية ظهرًا ونحن في طريق عودتنا، حتى اتصل بنا “كريم” شاب الحارة وهو يصيح مذهولاً: “إلحقي يا حاجة سناء! فيه لجنة مكبرة جت من المحافظة ومعاهم رئيس الحي بنفسه، وبيفكوا الشمع الأحمر عن المحل، وبيقدموا اعتذار رسمي، وبيقولوا إن كان فيه ‘خطأ غير مقصود’ في البيانات!”

وصلنا إلى الشارع، وكان المشهد لا يقدر بثمن. المحل مفتوح على مصراعيه، والجيران يطلقون الزغاريد فرحةً بنصر الحاجة سناء. وعلى الناصية المقابلة، كان المعلم غريب يقف ووجهه يشتعل غيظًا، وبجانبه حسام الذي تلاشت علام,,ات النصر من على وجهه تمامًا وتحولت إلى رعب حقيقي بعد أن أدركوا أن “سناء” ليست صيدًا سهلاً، وأن ضهرها أطول وأقوى مما يتخيلون.

أمي لم تكتفِ بفتح المحل؛ بل وقفت أمام باب المحل بكل كبرياء، ونظرت باتجاه المعلم غريب وحسام وقالت بصوت مسموع ليرتد في أرجاء الشارع: “البيوت اللي أساسها الأصول مبتهدهاش ريح يا معلم غريب! وإنت يا سي حسام، قولتلك أعلى ما في خيلك اركبه.. لقمة عيشنا دي اللي بيحميها ربنا، ومحدش يقدر يقرب منها.” انصحب المعلم غريب وهو يجر أذيال الخيبة، بعد أن كسرت أمي نفوذه أمام المنطقة كلها، وبدأ يلوم حسام بعصبية وصراخ في وسط الشارع: “أنت ورطتني مع ناس واصلين يا فاشل! أختك فوزية دي تودّي في داهية!”

مرت يومان، والهدوء حذر في المنطقة، لكننا كنا نعلم أن الهدوء الذي يسبق العاصفة دائمًا أشد خطورة. وفي ليلة الإثنين، وبينما كنت أقف في المطبخ أعد العشاء، سمعت صوت حشرجة غريبة تأتي من منور الشقة، يتبعها صوت خطوات خفيفة على السطح فوقنا مباشرة! انق,,بض قلبي وركضت نحو الصالة وأنا أهمس برعب: “ماما! فيه حد فوق السطوح.. وفيه صوت حركة غريبة في المنور!” وقفت أمي بسرعة، وأمسكت بعصا خشبية غليظة كانت تحتفظ بها خلف الباب، وقبل أن نت,,حرك خطوة واحدة، تحطم زجاج نافذة المطبخ فجأة، وتطايرت النيران داخل الشقة بعد أن ألقى شخص مجهول زجاجة “مولوتوف” حارقة اشتعلت في الحال!

صحتُ بأعلى صوتي: “الحري,,قة يا ماما! الشقة بتولع!” أمي سحبتني بسرعة نحو باب الشقة وهي تفتح الأقفال بيد ترتعش لأول مرة، لكن الصدمة الكبرى كانت عندما فتحت الباب؛ لتجد شخصًا ملثمًا يقف في وجهها مباشرة، يحمل سلاحًا أبيض ويرفعه في الهواء ليهبط به على رأس أمي… حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

في تلك اللحظة الحاسمة، وأمام لمعة السلاح الأبيض، لم تتراجع أمي “سناء” خطوة واحدة. بدا وكأن “البلدوزر” استجمع كل قوة الأمومة والكرامة في عروقه. وبسرعة البرق، وقبل أن تهبط يد الملثم، تفادت الضـ,ـربة ببراعة ورفعت العصا الخشبية الغليظة بكل قوتها، لتهبط بها على يد المعتدي، فيسقط السلاح من يده وهو يصرخ متألمًا. لم تتركه أمي يستوعب ما حدث؛ بل انهالت عليه بالضـ,ـرب وهي تصرخ بأعلى صوتها: “حرامي! بلطجي! الحقونا يا رجالة الحتة!”

ارتجت العمارة بصوت أمي وصراخي، وفي ثوانٍ معدودة، كان “كريم” وشباب الحارة يندفعون على السلم كالإعصار. أطبق الشباب على الملثم وشلوا حركته تمامًا، في حين أحضر الجيران طفايات الحري,,ق وسيطروا على النيران التي اندلعت في المطبخ بسرعة قبل أن تمتد لباقي الشقة. نزع كريم اللثام عن وجه المعتدي، لتقع المفاجأة التي ألجمت الجميع: لقد كان “مسعد”، الصبي الذراع الأيمن للمعلم غريب، ومعه هاتف محمول لم ينقطع عن الرنين باسم “حسام”! أمسك كريم بالهاتف وفتح الخط على مكبر الصوت، ليرتفع صوت حسام المرتبك والمليء بالغل: “إيه يا مسعد؟ علّمت على الست وبنتها وولعت في الشقة ولا لسه؟ طمني!”

صاح كريم في الهاتف بصوت هز أركان المكان: “طمن نفسك يا ابن فوزية.. مسعد في إيد رجالة الحارة، والنيابة مستنياك أنت وخالك بتهمة الشروع في قـ,ـتل وحـ,ـرق عمد!”

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى