منوعات

رحلة مصيف حكايات رومانى مكرم 1

قبل ما أسافر رحلة مصيف راس البر مع ابني وولاده، مرات ابني قالتلي: “مش هنحتاجك المرة دي. بس اتأكدي إن البيت نضيف.” تاني يوم الصبح، سبت مفاتيحي على الترابيزة ومشيت في هدوء. ولما رجعوا وشافوا مين ساكن في بيتي، ماقدروش ينطقوا. قالت ميرفت الكلمتين دول من فوق مناخيرها، بطريقة تتقال لشغالة مش للست اللي دفعت دم قلبها وشقا عمرها في الشقة دي اللي في الشيخ زايد.. سنين كفاح، وصحيان من نجمة الفجر، ووجع مفاصل لما اتهد حيلي في الغربة والمصالح.

كانت واقفه بتعدل الشنطة الماركة على كتفها وبتقفل شنط السفر ومستعجلة على السوبر جيت، وابني مصطفى حاطط عينه في الموبايل ولا كأنه سامع حاجة. وأنا كنت واقفة عند الحوض، بنشف في طبق أصلاً نضيف ومحدش جه جنبه، بس كنت بداري كسر نفسي بلقمة العيش اللي باكلها في بيتي بمرار. رمت كلمتها وهي خارجة: “الأرضيات والحمامات يتلمعوا كويس قبل ما نرجع من المصيف.. وحاجتنا محدش يمد إيده عليها.” في بيتي أنا.. بتقول “حاجتنا”! حفيدي محمود جري عليا وحضني وهو زعـ,ـلان وقاللي إنه كان نفسه أروح معاهم أبلبط في البحر. والبنت الصغيرة نادية سألت ببراءة:

“امال تيته مش هتركب معانا العربية وتروح راس البر ليه؟” شدتها ميرفت من إيدها بقسوة وقالتلها: “عشان تيته وراها شغل ومصلحة في البيت لازم تخلصها.” كأن الحنية والرحمة بقوا بالطلب ومقابل النظافة والمسيح! الباب اترزع، وباب الجراج خبط.. والبيت فجأة سكت.. سكون تقيل يكبس على النفس ويزهق الروح بعد ما لمت عزالها وشنط المايوهات وخرجت. بصيت للمفاتيح اللي على الترابيزة — نفس المفاتيح اللي مصطفى بيشيلها في جيبه ويتنطط بيها كأن البيت ورث اللي جابوه — بس المرة دي حسيت إن في حاجة جوايا ما اتكسرتش زي كل مرة..

الموضوع ببساطة.. استوى على الآخر. دخلت الأوضة الكمشة الصغيره اللي كانوا مأعديني فيها، وطلعت العلبة الصفيح اللي مكنياها ورا الهدوم، وفتحت عقود الملكية. اسمي كان منور فيها: **”فاطمة عبد الرحمن”**.. زي ما هو من يوم ما اشتريت. مهما ميرفت عاشت الدور وقالت “بيتنا”، الحقيقة مابتكدبش ومكتوبة بالحبر الأزرق والأختام. وعشان كده، عملت الحاجة الوحيدة اللي محدش يتوقعها من “فاطمة” الهادية الطيبوبة. ما عملتش شوشرة.. ولا قومت خـ,ـناقة تعكر عليهم المصيف. كتبت كلمتين وبس في ورقة صغيرة، وسيبتها جنب المفاتيح، ولميت كام حتة في شنطة صغيرة كأني رايحة أغير جو يومين.. مش رايحة أرد اعتباري وأرجع حياتي اللي اتسـ,ـرقت.

مع شروق الشمس، كنت قاعدة في كافتيريا على طريق مصر–إسكندرية الصحراوي، فنجان القهوة بيبرد في إيدي، وطلبت نمرة ما طلبتهاش من سنين. “يا ماجدة”، قلتلها بصوت جامد ميهزهوش ريح، “أنا فاطمة. ومحتاجاكي معايا النهارده، وعايزاكي تقفي ظهري وتثقي فيا.” ما قعدتش تلف وتدور، سألتني سؤال واحد ابن سوق: “الشقة باسمك في الشهر العقاري يا بطة؟” قلت لها: “برقبتي.. أيوه.” قالتلي: “يبأه سيبك من الباقي وتعاليلي.. هنرجعهالك وتمنها ناشف.” قبل الضهر، كان الصنايعي مغير الكوالين كلها، ومجموعة المفاتيح الجديدة في إيدي كان ليها رنة وتُقل يرد الروح.

وماجدة كانت بتتمشى في الشقة أوضة أوضة، معاها دفتر وقلم، مش متنرفزة ولا بتزعق، بس عينيها وسط راسها وبتحسبها بالملي.. كأنها بترجع هيبتي واسمي لكل ركن في البيت. على الليل، دخلت حاجة واحدة بس مكانها الصح: الكرسي الهزاز بتاعي، حطيته جنب الشباك في الصالة الكبيرة. وساعتها بس خدت بالي قد إيه البيت رايق ونضيف من غير خـ,ـناق ونقورة ميرفت. بعد أسبوع، عربية مصطفى دخلت الجراج راجعة من السفر. العيال نزلوا يضحكوا ويهيصوا، وشوشهم محمّرة ومقشرة من شمس البحر، وشايلين عوامات وشورتات مبلولة وشنط غرقانة رمل من شط راس البر.

ميرفت حطت المفتاح في القفل ولفت.. ما لفش. جربت تاني بعصـ,ـبية وغل.. وبرضه مفيش فايدة. لما فتحت أنا الباب، مصطفى اتقدم وقال بتفاجؤ وهو شايل جردل البحر بتاع الولاد: “إيه ده يا ماما—” ولسانه اتعقد ومكملش الكلمة. #الكاتب_رومانى_مكرم لأنه ما كانش بيبص في وشي أنا.. ده كان باصص ورا ظهري.. على جزمة رجالي غريبة مش بتاعته محطوطة جنب الباب.. وفي نفس اللحظة سمع صوت رزين وهادي جاي من صالة البيت جوه: “أوبااا..

لأنه ما كانش بيبص في وشي أنا.. ده كان باصص ورا ظهري.. على جزمة رجالي غريبة مش بتاعته محطوطة جنب الباب.. وفي نفس اللحظة سمع صوت رزين وهادي جاي من صالة البيت جوه: “أوبااا.. خطوة عزيزة يا جماعة، نورتوا شقتكم الجديدة!” مصطفى وشه جاب ألوان، والشنطة اللي في إيده وقعت على الأرض. ميرفت برقت عينيها وهي بتبص للراجل الأربعيني اللي لابس قميص وبنطلون وواقف بكل ثقة في نص الصالة، وفي إيده كباية شاي. ميرفت صرخت بصوت هز العمارة:

“إنت مين يا راجل إنت؟ وإزاي تدخل هنا؟ وأنتِ يا حماتي.. إيه المخروبة اللي عملتيها دي؟ ومين ده؟” قبل ما أنا أنطق، الراجل حط كباية الشاي على الترابيزة بكل هدوء، وطلع محفظته، وسحب منها بطاقة وكارنيه، وقدمهم لمصطفى وهو بيقول بابتسامة باردة: “الأستاذ شريف عبد الحميد.. المستأجر الجديد للشقة دي بموجب عقد إيجار قانون جديد، موثق في الشهر العقاري، ومدفوع مقدم سنة كاملة.. للست الحاجة فاطمة عبد الرحمن.. المالك الوحيد للعقار.” مصطفى اتلفت عليا وهو مش قادر يتنفس، كأنه بيغرق في شبر مية:

“أمي.. إنتِ عملتي إيه؟ بعتي الشقة؟ طردتينا؟” وقفت ورا ضهري ماجدة، صاحبة عمري الشقيانة اللي بتفهم في الأصول، وربعت إيدها وقالت بلهجة حاسمة: “محدش طرد حد يا بشمهندس.. الست والدتك أأجرت ملكها عشان تعيش من قرشه للي باقي من عمرها في عز وكرامة.. مش قولتوا مش محتاجينها؟ وهي كمان لقت إنها مش محتاجة تخدم في بيوت ناس مابتعرفش الأصول. حاجتكم وعفشكم كله متقفل ومحطوط في الأوضة الصغيرة اللي كنتوا منيمينها فيها.. بالملي، ومحدش مد إيده عليها زي ما المدام طلبت بالظبط!”

ميرفت قعدت على الرصيف برا الشقة تلطم وتـ,ـصرخ: “عفشي؟ حاجتي؟ إحنا نِقعد في الأوضة دي؟ دي شقتي.. دي حاجتي أنا!” بصيت لمصطفى اللي كان حاطط راسه في الأرض من الخزي، وقولتله بقلب جامد بس نبرة كلها وجع: “يا مصطفى.. أنا اللي شقيت، وأنا اللي غربت نفسي عشان الشقة دي تتفرش بالماركات اللي مراتك بتتمنظر بيها.. المرة دي أنا مش مكسورة، أنا رجعت فاطمة بتاعة زمان. الشقة دي مبقتش مكانكم، والمستأجر هيدخل حاجته الصبح.”

تحركت بخطوات ثابتة، خدت شنطتي الصغيرة اللي كنت مجهزاها، وبصيت لمحمود ونادية اللي كانوا بيبكوا، وطيت بوستهم وقولت لهم: “تيته بتحبكم.. بس تيته لازم تحب نفسها الأول عشان تعيش.” نزلت السلم وأنا سامعة خـ,ـناقتهم وصوت ميرفت وهي بتصرخ في مصطفى: “اتصرف.. شقا عمرنا ضاع!”، ومصطفى مش ملاحق يرد. ركبت العربية مع ماجدة، وأنا حاسة إن الهوا اللي داخِل صدري بقاله طعم تاني.. طعم الحرية والكرامة اللي مفيش فلوس في الدنيا تعوضهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى