منوعات

ربيت ابن جوزي حكايات رومانى مكرم 2

مدام فوزية لثواني ملامحها اتهزت، بس بسرعة رهيبة رجعت لبرودها المعتاد، بصت للورقة اللي في إيد كريم وسحبتها منه بعنف، قرت السطور الأخيرة، ورمت الورقة على السفرة واستهزأت بضحكة صفرا وقالت: “إيه الجنان ده؟ إنتِ جايبالنا ورقة مزورة من معمل تحت السلم عشان تعملي بيها علينا هانم؟ آدم ابن منى.. وأنا اللي شيلته على إيدي يوم ما اتولد في مستشفى في القاهرة!” كريم كان لسه واقِف مكانه، باصص للأرض ومش قادر ينطق، جسمه كله بيترعش. رعب كريم كان هو الدليل القاطع اللي كشف كدب أمه.

قربت من حماتي خطوة واحدة، وبقيت باصة في عينيها مباشرة، وقلت بصوت حاد وزي الموس: “المعمل ده أنظف معمل في مصر يا مدام فوزية.. والتحليل ده لو اتعاد في آخر الدنيا هيطلع نفس النتيجة. آدم ابني.. ابني من دمي.. بس السؤال هنا: إزاي؟ إزاي أنا خلفت ولد وعمري ما شفته ولا عرفت إنه عايش؟” في اللحظة دي، كريم صرخ فجأة وبص لأمه وقال بنبرة مليانة قهر: “خلاص يا أمي.. خلاص! اللعبة انتهت.. نادية عرفت كل حاجة، والدم حن، والورق مبيكذبش!”

حماتي برقت له وصرخت فيه: “اسكت خالص يا كريم! متضيعش كل اللي عملناه في لحظة غباء!” أنا كنت واقفة في النص بينهم، دماغي بتغلي، وقلبي هيقف من كتر الدق. بصيت لكريم وقلتله بأمر: “اتكلم يا كريم.. اتكلم وإلا قسمًا بالله هطلع من هنا على النيابة، وهقلب الدنيا عليكم وعلى المستشفى اللي آدم اتولد فيها!” كريم قعد على الكرسي وحط راسه بين إيديه وبدأ يبكي زي الأطفال، وصوته طالع مخنوق: “من 12 سنة يا نادية.. لما كنتِ لسه بتدرسي في الجامعة.. فاكرة لما تعبتِ فجأة وعملتِ عملية وقالو لِك إنها الزايدة الدودية؟”

جسمي كله سقع.. النبض وقف في عروقي. افتكرت الأيام دي.. كنت في تانية جامعة، تعبت تعب مفاجئ، وأهلي أخدوني مستشفى خاص كبير بتاع واحد من قرايبنا.. غبت عن الوعي يومين كاملين، ولما فقت قالولي إن الزايدة كانت هتنفرجر وشالوها، وكان فيه مضاعفات.

كريم كمل وهو بيبكي: “أنا مكنتش أعرفك وقتها.. بس أمي كانت تعرف عيلتك كويس وتعرف الدكتور صاحب المستشفى. أمي كانت بتدور على طريقة تخلف بيها حفيد لعيلتنا بعد ما عرفت إن منى، مراتي الأولى، عقيم ومبتخلفش.. وكانوا خايفين من الفضيحة وكلام الناس في الإسكندرية.. الدكتور قريبي وقريبكم عرض على أمي صفقة مجنونة.. قالها فيه بنت جاية في غيبوبة تامة، وعندها مشكلة في الرحم وهنعملها عملية، وفي نفس الوقت هنآخد منها بويضات لعملية حقن مجهري لمنى.. بس اللي حصل كان أكبر من كده.. الدكتور غما ضميره، والعملية اتعملت، وآدم جه للدنيا من بويضاتك إنتِ..

يعني هو ابنك بيولوجياً، ومنى شالته وسجلته باسمها!” أنا كنت بسمع الكلام وحاسة إن خنجر بيتغرس في قلبي.. “يعني أنا اتسرق مني حتة من جسمي وأنا مش واعية؟!” حماتي قطعت كلامه بغل وقالت: “ومين اللي خسران يا ست نادية؟ منى أول ما الولد تم 3 سنين، مقدرتش تستحمل تمثيلية الأمومة وهربت وسافرت بره مصر.. وإحنا لما لقينا كريم محتار بالواد، ومستحيل نرجع لمنى، فكرت إن أحسن واحدة تربي الواد هي أمه الحقيقية من غير ما تعرف! جوزناكِ لكريم عشان تشيلي شيلتك وتكبري ابنك.. إنتِ عشتِ 12 سنة في خيرنا، وبتربي ابنك في حضنك.. المفروض تشكرينا مش تحاسبينا!”

بصيت لحماتي وأنا مش مصدقة حجم الجبروت والشر اللي في كلامها.. بصيت لكريم اللي شارك في الجريمة دي وسكت وعيشني 12 سنة مخدوعة، بيعاملوني كأني غريبة و”مرات أب” في بيت ابني! في اللحظة دي، سمعنا صوت خبطة صغيرة ورا باب الصالة.. لفينا كلنا بسرعة.. وباب الصالة اتفتح ببطء.. كان آدم واقف، ودموعه نازلة على وشه، وباصصلي وعينيه الخضرة مليانة صدمة وذهول.. وكان سامع كل كلمة! حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

آدم كان واقف ساند على الحيطة، جسمه كله بيترعش، وعينيه الخضرة اللي طالعة ليا كانت بتلف بيني وبين كريم وبين مدام فوزية. الظرف المقفول والورق اللي كان على السفرة بقوا هما المحور اللي حياتنا كلها اتدمرت بسببه في ثانية. جريت عليه وأنا بنهار، ركعت قدامه ومسكت إيديه اللي كانت متلجة: “آدم.. يا حبيبي.. اسمعني..” آدم سحب إيده مني ببطء، خطوة لورا، وبصلي بنظرة عمري ما هنساها.. نظرة عيل تاه في ملكوت ملوش فيه ذنب. بص لكريم وزعق بصوت شرخ قلبي: “يعني إيه؟ يعني إنت مش أبويا؟ ولا طنط نادية مش مرات أبويا؟ إنتوا مين؟ ومين منى دي اللي بتقولوا عليها؟!”

كريم قام من على الكرسي وجري عليه وهو بيعيط: “يا آدم أنا أبوك.. أنا أبوك الحقيقي، نادية هي أمك، مفيش حد غريب هنا يا ابني!” آدم صرخ فيه بهستيريا: “متقولش ابني! إنتوا كدابين.. كلكم كدابين! طول عمري بسمع جدتي وهي بتقول إني ماليش غيرها، وطول عمركم بتحسسوني إن طنط نادية دي غريبة وبتعمل شغلها معايا.. ودلوقتي بتقولوا إنها أمي؟!”

مدام فوزية قربت بغرورها اللي مبيتمحيش، وقالت بنبرة جافة: “جرى إيه يا آدم؟ جمد قلبك كده، إحنا عملنا كل ده عشانك، عشان تطلع للدنيا باسم عيلة وتشيل اسم أبوك وجدك.. البنت دي أمك فعلاً، والحمد لله إنها طلعت هي عشان متقرفناش بقية حياتنا بموضوع مرات الأب ده!” لفيت ليها وزي الأسد المجروح صرخت فيها: “اخرسي! اخرسي خالص ومتقوليش اسمها على لسانك! إنتِ ست مجرمة.. إنتِ والدكتور الكلب اللي هسجنه وهضيع تاريخه.. كلكم هتتسجنوا!”

بصيت لكريم وقلتله بكلمات زي الرصاص: “إنت بالذات.. كنت بتنام جنبي في فرشة واحدة، وتبص في عيني، وتشوفني وأنا بموت في الأسبوع مية مرة من نظرات أهلك وكلامهم، وتشوفني وأنا بعامل آدم كأنه حتة من قلبي وأنا خايفة يجي يوم وأمه ترجع تاخده مني.. كنت عارف إن النبض اللي بينبض في صدر الولد ده هو نبضي أنا.. وساكت؟!”

كريم قعد على ركبه قدامي وبدأ يتوسل: “والله العظيم يا نادية أمي هي اللي خططت لكل حاجة مع الدكتور، أنا مكنتش أعرف غير بعد ما اتولد وبقى أمر واقع.. ولما جيت أتجوزك، أمي قالتلي ده حقها وحق الولد إنها تربيه.. أنا حبيتك يا نادية، والله حبيتك وحبيت آدم معاكم!” “حبك برص وعشرة خرص!”.. صرخت فيه وأنا بلم هدومي وعيني على آدم اللي كان واقف مذهول ومبرق. مسكت إيد آدم وشددتها عليه: “يلا يا آدم.. يلا نمشي من المستنقع ده.”

هنا مدام فوزية وقفت في طريقي زي الحيطة السد وقالت بغل: “تمشي فين يا شاطرة؟ تاخدي ابن عيلة منصور وتمشي؟ الولد مكتوب في شهادة الميلاد باسم كريم ومنى.. قانوناً ورسماً هو مش ابنك، وبورقتك دي خبطي راسك في أجدع حيطة.. لو خطيتي بره الباب ده بالواد، هعملك قضية خطف، وهسجنك إنتِ! آدم هيفضل هنا في بيت أبوه وجدته، وإنتِ لو عايزة تخلعي.. الباب يفوت جمل!” آدم بص لحماتي برعب واستخبى ورا ظهري ومسك في عبايتي بكل قوته.. الدموع جفت في عيني واتحولت لشرار. بصيت لكريم وقلتله: “هتسمح لأمك تعمل كده؟”

كريم بص للأرض بضعف وسكت. طلعت تليفوني من جيبي، وطلبت رقم أخويا الكبيـر، وقلتله بصوت ثابـت وزي الحديد: “إلحقني يا أحمد.. أنا في بيت كريم في الإسكندرية.. هات حرس معاك وتعالي.. أنا اتسرقت من 12 سنة.. والنهارده هاخد حقي.” حكايات رومانى مكرم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى