منوعات

ربيت ابن جوزي حكايات رومانى مكرم 3

قفلت التليفون مع أخويا أحمد، والصمت نزل على الصالة زي برودة المو.ت. مدام فوزية كانت واقفة ومربعة إيديها بثقة وغرور مرعب، وكريم لسه ساند راسه على الحيطة ودموعه نازلة في عجز يقرّف.

آدم كان لسه ماسك في ظهري، ضوافره مغروزة في قماش عبايتي وكأنه بيستمد الأمان من النبض اللي اتسرق منه وهو لسه بويضة في رحم ميعرفوش. التفتّ ليه، نزلت لمستواه، ومسكت وشه بين إيديا وقلتله وعينيا في عينيه الخضرة: “ماتخافش يا قلب أمك.. محدش في الدنيا دي يقدر ياخدك مني تاني.. الـ 12 سنة اللي فاتوا كنت بحبك وأنا فاكرة إني بعمل واجبي، بس من النهارده هحارب الدنيا عشانك وأنا باخد حقي وحقك.” آدم هز راسه ببطء، ودموعه نزلت على إيديا، وقال بصوت حزين: “أنا عايز أمشي معاكي يا ماما.. مش عايز أقعد هنا.”

كلمة “ماما” طلعت منه لأول مرة من غير خوف، لأول مرة من غير ما حماتي تبص لِنا بنظرة تصحيح وتقول “طنط نادية”. الكلمة هزت كياني وفجرت جوايا طاقة تهد جبال. مدام فوزية ضحكت بصوت عالي وقالت: “ماما؟ ماشي يا ستي.. عيشي الوهم شوية لحد ما أخوكي ييجي ويشوف الورق الرسمي. القانون مبيعرفش مشاعر يا نادية، القانون بيعرف شهادة ميلاد مكتوب فيها (آدم كريم منصور) وأمه (منى السلحدار). وريني بقا هتعملي إيه بالورقة المبلولة بتاعتك دي!”

فاتت نص ساعة تقيلـة كأنها سنة، لحد ما جرس الباب رن بضربات قوية وسريعة. كريم قام يفتح وهو بيترعش، ودخل أحمد أخويا، ومعاه اتنين من أصحابه المحامين اللي بيثق فيهم. أحمد أول ما شاف منظري وآدم وهو مستخبي ورايا، ووش كريم المخطوف، عرف إن المصيبة أكبر مما يتخيل. أحمد قرب مني وقالي بقلق: “في إيه يا نادية؟ صوكت في التليفون رعبني.. إيه اللي حصل؟” شاورت على السفرة وقلتله وصوتي ثابـت: “خد الورقة دي اقراها يا أحمد.. وشوف جوز أختك المصون وأمه الكريمة عملوا فيا إيه من 12 سنة.”

أحمد أخد ورقة تحليل الـ DNA، وقراها هو والمحامين اللي معاه، وملامح وشه بدأت تتحول من الذهول للغضب الأعمى. بص لكريم وزعق فيه: “إيه ده؟ ده معناه إيه؟ آدم ابن نادية إزاي؟! إنتوا كنتوا متجوزين من ورايا قبل 12 سنة؟” قلتله وأنا باصة لمدام فوزية: “لأ يا أحمد.. متجوزناش. دول سرقوني وأنا في غيبوبة عملية الزايدة في مستشفى الدكتور قرايبهم.. أخدوا بويضاتي وعملوا حقن مجهري لمراته الأولى، ولما الولد جه وسجلوا باسمها، والست هربت، جوزوني كريم عشان أربي ابني وأنا مخدوعة ومذلولة تحت رجليهم!”

أحمد عينه دمت من كتر الغضب، وقرب من كريم ومسكه من لياقة قميصه ورفعه لفوق: “يا واطي.. يا خسيس! بقا بتستغلوا البنت وتسرقوا لحمها ودمها وتعيشوها في كدبة؟!” أصحاب أحمد حجزوا بينهم بالعافية، وأحمد بصلي وقال: “لمي حاجتك يا نادية.. إنتِ والواد هتمشوا معايا فوراً.” مدام فوزية وقفت في النص وقالت بصوت جوهري: “على فين يا متر؟ الولد مش هيتحرك من هنا.. لو خطى خطوة بره البيت ده هبلغ بنجدة الطفل وبوليس النجدة إن نادية عبد الحميد خاطفة ابن ابني! شهادة الميلاد والأوراق الرسمية كلها في إيدي، وأعلى ما في خيلكم اركبوه!”

واحد من المحامين أصحاب أحمد قرب خطوة، وبص لمدام فوزية بنظرة ثقة، وطلع تليفونه وقال بهدوء قاتل: “يا مدام فوزية.. إنتِ فاهمة القانون غلط خالص. القضية هنا مش قضية نسب وبس.. القضية هنا جناية تزوير في أوراق رسمية، وجناية سرقة أعضاء وبويضات بشرية بدون رضا، والاتجار بالبشر! التحليل ده مع بلاغ رسمي للنيابة العامة كفيل يقلب الدنيا، والنيابة هتأمر فوراً بتحليل DNA رسمي معتمد من الطب الشرعي.. وأول ما النتيجة الرسمية تطلع، شهادة الميلاد اللي فرحانة بيها دي هتبلّيها وتشربي ميتها، وابنك والدكتور وصاحب المستشفى وإنتِ معاهم هتلبسوا بدل زرقا بتهمة التزوير والسرقة!”

كريم انهار تماماً ووقع على ركبه وهو بيصرخ: “بلاش النيابة يا أحمد! بلاش الفضيحة.. أنا مستقبلي هيضيع وشغلي هيروح!” مدام فوزية لأول مرة وشها يصفر، والغرور اللي في عينيها يتحول لرعب حقيقي لما حست إن حبل المشنقة بيقرب من رقبتها ورقبة ابنها. أحمد مسك إيد آدم، وأنا مسكت إيده التانية، ومشينا في الممر رايحين لِباب الشقة. وقبل ما أفتح الباب، لفيت وشي وبصيت لكريم وأمه وقلت لهم: “الحكاية مخلصتش.. الحكاية يلا دوب بدأت.. والمحاكم هي اللي هتقول كلمتها الأخيرة.”

أخدت آدم وخرجنا، وركبنا العربية، وأنا حاسة إن الهوا لأول مرة بيدخل صدري بجد. بس وأنا باصة لآدم وهو ساكت وضامم نفسه، عرفت إن المعركة القضائية اللي جاية هتبقا نار.. وفيه أسرار تانية لسه مظهرتش! حكايات رومانى مكرم

ركبنا العربية، وأحمد أخويا ساق بأقصى سرعة وكأننا بنهرب من وكر دياب. آدم كان قاعد في الكنبة اللي ورا، حاطط راسه بين إيديه وساكت تماماً، دموعه مكنتش بتنزل بس جسمه كان بيترعش من الصدمة. بصيت له في المراية، وقلبي كان بيتقطع.. الولد في ثانية اكتشف إن حياته كلها كانت كدبة مرتبة، وإن الست اللي كانت بتمسح دموعه هي أمه الحقيقية، والناس اللي كان فاكرهم عززه وعيلته هما اللي سرقوا عمرنا. أول ما وصلنا بيت أخويا في الإسكندرية، أحمد دخلنا أوضة المقابلات وقفل الباب. المحامين قعدوا وبدأوا يراجعوا الأوراق اللي معانا بوُشوش شديدة الجدية.

أحمد بصلي وقال: “نادية.. إحنا قدام قضية العمر، بس لازم تبقي قوية. الكلام اللي المحامي قاله في شقة كريم مكنش مجرد تخويف، ده الواقع. إحنا هنرفع قضية (إثبات نسب) وبلاغ للنائب العام بـ (التزوير في أوراق رسمية وسرقة بويضات). بس لازم تعرفي إن الخطوة دي هتخلي اسمك واسم ابنك على كل لسان في المحاكم، والإعلام ممكن يشم خبر.” بصيت لآدم اللي كان باصص لنا بعيون تائهة، وقلت بصوت مشروخ بس قوي: “لو تمن إني أرجع ابني لحضني قانوناً هو إني أحارب الدنيا كلها.. أنا جاهزة يا أحمد. أنا مش هسيب حقي ولا حق ابني.”

في اللحظة دي، تليفون أحمد رن. بص للشاشة ولقاه كريم. أحمد فتح الاسبيكر من غير ما يرد، وجالنا صوت كريم وهو بينهار وبيعيط بهستيريا: “أحمد.. أبوس إيدك بلاش النيابة! أمي ضغطها عليّ ونقلوها المستشفى.. إحنا مستعدين نعمل أي حاجة.. أنا هطلق نادية وهتنازل عن الواد، بس بلاش حبس وفضايح! الدكتور اللي عمل العملية زمان عرف وبيمو.ت من الر.عب وعايز يقابلكم يلم الموضوع!” المحامي أخد التليفون من أحمد ورد ببرود قاتل: “الكلام ده ميبقاش معنا إحنا يا استاذ كريم.. الكلام ده تقوله قدام وكيل النيابة الصبح. اجهز يا كريم بيه، لأن البلاغ هيتقدم أول ما الشمس تطلع.” وقفل السكة في وشه.

طول الليل مكنتش قادرة أنام، كنت قاعدة جنب آدم في الأوضة، باصة لملامحه وهو نايم.. سبحان الله، نفس النومة، ونفس تفاصيل وشي لما بكون زعلانة. إزاي الغشاوة دي كانت على عينيا 12 سنة؟! الصبح جه، وروحنا النيابة العامة. أحمد والمحامين قدموا البلاغ الرسمي ومصحوب بتحليل الـ DNA الأولي. رئيس النيابة لما قرا التفاصيل، ملامحه اتغيرت وبصلي بنظرة ذهول وتعاطف شديد، وأصدر قرار فوري باستدعاء كريم منصور، ووالدته فوزية، والدكتور “مدحت سعيد” صاحب المستشفى الخاص اللي اتعملت فيه الجريمة، مع إصدار أمر عاجل للطب الشرعي بأخذ عينات دم مني ومن آدم لإجراء تحليل DNA رسمي تحت إشراف المحكمة.

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى