نزلتُ السلالم الحجرية المؤدية إلى سرداب الخان، وكان كل درجة تخطوها قدماي المرتجفتان تشعرني بأنني أغوص في أحشاء كابوس. الرائحة هنا لم تكن رائحة رطوبة عادية، بل كانت مزيجاً خانقاً من الكافور والمعادن والصدأ. كانت زهراء بين ذراعيّ ثقيلة، كأن جسدها يمتص برودة المكان. وصلنا إلى قاعة واسعة تحت الأرض، مضاءة بمصابيح “ليد” باهتة تعمل بالبطاريات، وهناك رأيتُ ما لم يصدقه عقلي. ## مصنع المو.ت الصامت
لم يكن سرداباً، كان “مستودعاً بشرية”. صفوف من التوابيت الخشبية المفتوحة، داخل كل واحد منها طفل مكفن بنفس الطريقة التي كانت بها زهراء، لكنهم لم يكونوا مو.تى. كانت هناك أنابيب طبية دقيقة تخرج من أكفانهم وتتصل بجهاز مركزي في منتصف القاعة، يجمع ذلك السائل الأسود اللزج الذي رأيت زهراء تتقيأه. * **أنا (بهمس مرعوب):** “يا ربي.. ماذا فعلوا بكم؟”
في نهاية القاعة، كان هناك مكتب معدني عليه زجاجات مخبرية. وضعتُ زهراء على طاولة قريبة وبدأتُ أبحث بجنون عن “المصل المضاد” الذي ذكره رعد. كانت يداي ترتجفان وهي تقلب الزجاجات، حتى وجدتُ واحدة مغلفة بجلد غزال، مكتوب عليها بخط يدوي دقيق: **”المستخلص النهائي – الإفاقة”**. ## الخيار المستحيل قبل أن أفتح الزجاجة، سمعتُ وقع خطوات هادئة خلفي. لم تكن خطوات رعد، ولا خطوات الرجل الأسود. التفتُّ لأجد رجلاً طاعناً في السن، يرتدي ثياباً فاخرة، ويحمل في يده سبحة من اليسر.
* **الرجل المسن:** “لا تفعلي يا حاجة. إذا أعطيتها هذا المصل الآن، ستمو.ت في غضون دقائق.” * **أنا:** “من أنت؟ وكيف تجرؤ على لمس هؤلاء الأطفال؟” * **الرجل المسن:** “أنا من يحفظ توازن هذا العالم. هؤلاء الأطفال ليسوا ضحايا، إنهم (نواقل). المادة التي بداخلهم هي ترياق لمرض سيجتاح هذه المدينة قريباً، ورعد كان يعرف ذلك. لقد ضحى ببنته لينقذ الآلاف.” نظرتُ إلى زهراء، ثم إلى الزجاجة في يدي. كان الرجل يتحدث ببرود شديد جعلني أشك في كل شيء. هل كان ابني بطلاً أم مجرماً؟ هل هذه الطفلة هي الضحية أم هي “القنبلة” التي ستنفجر في وجوهنا جميعاً؟
## خيانة من نوع آخر فجأة، تحركت زهراء. فتحت عينيها، لكنهما لم تعودا بيضاويتين. كانت عيناها الآن سوداوين تماماً، كالليل الذي يلفنا. نظرت إلى الرجل المسن وقالت بصوت غريب، صوت فيه بحة غريبة لا تنتمي لطفلة في السادسة: * **زهراء:** “لقد تأخرتَ يا جدي.. المادة اكتملت.” في تلك اللحظة، بدأ الجهاز المركزي يصفر بحدة، والأنابيب المتصلة بالأطفال الآخرين بدأت تهتز بعنف. الرجل المسن شحب وجهه وتراجع للخلف بذعر. * **الرجل المسن:** “مستحيل.. لم يكن من المفترض أن تستيقظ ‘المضيفة’ قبل النقل!”
التفتت زهراء نحوي، وأمسكت بيدي التي تحمل المفتاح. شعرتُ بحرارة هائلة تنتقل من كفها الصغير إلى عروقي. * **زهراء:** “جدتي.. المفتاح لا يفتح القفل. المفتاح يفتحني أنا.” سمعتُ صوت انفجار في الأعلى، وصراخ رجال يقتحمون الخان. لم يعد هناك وقت للتفكير. كان عليّ أن أقرر: هل أحقنها بالمصل وأخاطر بمو.تها، أم أتركها “تستيقظ” وأواجه ما سيخرج منها؟ وفوقنا تماماً، انهار جزء من السقف ل يسقط منه جسد “رعد” مخضباً بالدماء، وهو يصرخ بكلمة واحدة قبل أن يفقد وعيه:
**”احرقي… احرقي كل شيء يا أمي!”** للمذيد من القصص الكامله تابعو صفحه رومانى مكرم سقط “رعد” من فتحة السقف المنهارة، جسده المثقل بالجروح ارتطم بالأرض ليرفع غباراً من رفات الماضي وكلس الجدران القديمة. صرخته الأخيرة “احرقي كل شيء” كانت بمثابة إعلان حرب على كل ما في هذه القاعة. الرجل المسن ذو السبحة فقد بروده تماماً، وتراجع نحو زاوية السرداب وهو يضغط على زرٍ في جهازٍ صغير بيده، بينما بدأت التوابيت الخشبية المحيطة بنا تهتز بعنف، وكأن الأجساد الصغيرة بداخلها تحاول التحرر من كفنها الكيميائي.
## الحريق المقدس نظرتُ إلى رعد، ثم إلى زهراء التي كانت تقف الآن بثباتٍ مرعب، وعيناها السوداوان تبتلعان ضوء المكان. لم أعد أرى حفيدتي، بل رأيتُ كياناً آخراً يتشكل. * **أنا:** “رعد.. يا ولدي!” * **رعد (بصوت متقطع):** “أمي.. الحقيبة.. خلف المكتب.. فيها (زجاجات النفط الأبيض).. لا تدعيهم يخرجون بالمادة.. إذا خرجت زهراء من هنا وهي (مكتملة).. ستنتهي النجف كلها.” كان الخيار يمزق أحشائي. كيف أحرق المكان وفيه حفيدتي؟ وكيف أترك هذا المسخ الكيميائي يخرج للعالم؟
اندفعتُ نحو المكتب، الرجل المسن حاول اعتراضي بسبحته التي تبين أنها تخفي سلكاً معدنياً خنق به عنقي، لكن القوة التي سكنت أطرافي لم تكن قوتي. ض.ربته بظهري بكل ما أملك من غضب سنواتي الستين، وسقط يئن. وجدتُ الحقيبة، كانت مليئة بالزجاجات الحا.رقة والفتائل الجاهزة. ## يقظة “النواقل” بينما كنتُ أشعل أول فتيلة، حدث ما جمد الدماء في عروقي. الأكفان في التوابيت بدأت تتمزق، وخرج منها الأطفال الآخرون. لم يكونوا يمشون، بل يزحفون بحركات غير طبيعية، وأفواههم مفتوحة يخرج منها ذلك السائل الأسود كخيوط العنكبوت. كانوا يتجهون جميعاً نحو زهراء، وكأنها المغناطيس الذي يحركهم.
* **الرجل المسن (يضحك بهستيريا):** “لقد فات الأوان! ‘المضيفة’ بدأت بامتصاص الأنفاس! هي الآن العقل المركزي لكل هؤلاء.. المو.ت لن يوقفها، النار لن توقفها!” رميتُ الزجاجة الأولى على الجهاز المركزي، فانفجرت كتلة من اللهب الأزرق الغريب. صرخ الأطفال صرخة واحدة هزت أركان السرداب، لكن زهراء لم تتحرك. نظرت إليّ، ولثانية واحدة، رأيتُ لون عينيها الحقيقي يعود.. رأيتُ “زهراء” التي تحب الحلوى وتخاف من الرعد. * **زهراء (بصوتها الحقيقي):** “جدتي.. الجو حار جداً.. ساعديني.” ## سر الهروب المستحيل
ركضتُ نحوها وسط النيران التي بدأت تلتهم الأنابيب البلاستيكية. سحبتُ رعد من يده وهو شبه غائب عن الوعي، وأمسكت بزهراء. لكن عندما لمستُ يدها، شعرتُ بالـ **”مفتاح”** في جيبي يتوهج حتى أحرق قماش عباءتي. أخرجتُ المفتاح، وفي تلك اللحظة أدركتُ أنني كنتُ مخطئة. لم يكن المفتاح ليُدخل في قفل، بل كان هناك “ثقب” في خلف رقبة زهراء، تحت جلدها مباشرة، مخفي بدقة جراحية. * **أنا (لنفسي):** “رعد قال احرقي.. لكنه لم يقصد الطفلة.. قصد (المادة)!”
بينما النار تحاصرنا من كل جانب، وضعتُ طرف المفتاح في الفتحة خلف رقبتها وأدرته. سُمِع صوت “تكة” ميكانيكية دقيقة، وفجأة، بدأ السائل الأسود يخرج من مسام بشرتها ويتبخر في الهواء بفعل الحرارة، قبل أن يتحول إلى رماد ناعم. هبطت زهراء بين يدي مغشياً عليها، وعاد جسدها دافئاً. لكن الرجل المسن لم يمت في الحريق، بل كان يزحف نحونا ومعه خنجر، وعيناه تفيضان حقداً. * **الرجل المسن:** “خربتِ عمل عقود.. ستمو.تين معها!” وقبل أن يصل إلينا، انهار سقف السرداب بالكامل فوقه، وفوق التوابيت، وفوق سر “المستودع”.
## الخروج إلى النور حملتُ زهراء، وجررتُ رعد بكل ما تبقى لي من عزم نحو ممرٍ ضيق اكتشفته خلف الركام. خرجنا إلى هواء الفجر البارد، بعيداً عن الخان الذي تحول إلى فرنٍ من اللهب المخفي تحت الأرض. جلسنا على تلة ترابية نرقب الدخان الأسود وهو يعانق سماء النجف قبل طلوع الشمس. * **رعد (يفتح عينيه بصعوبة):** “أمي.. هل انتهى؟” * **أنا:** “انتهى يا ولدي.. دفنا السر تحت الأرض.” لكن عندما نظرتُ إلى كف زهراء وهي نائمة، وجدتُ وشماً صغيراً بدأ يظهر تحت جلدها.. حرف (م) جديد، وبجانبه رقم (٢).
أدركتُ حينها أن ما حرقناه كان مجرد فرع واحد.. وأن المعركة الكبرى لم تبدأ بعد، وأن من وضع هذا المفتاح في كفنها، لا يزال ينتظرها في مكانٍ ما. خرجنا من جحيم الخان والأنفاس تكاد تنقطع، والنجف تستقبل خيوط الفجر الأولى بهدوء زائف. وضعتُ رعد وزهراء في زاوية آمنة خلف سور المقبرة القديمة، حيث تلتف القبور حول بعضها كشواهد صامتة على أسرار لا تمو.ت. كان رعد ينزف، لكن عينه كانت معلقة بزهراء. أما أنا، فكانت يدي ترتجف وهي تلمس ذلك الوشم الغريب الذي ظهر على كفها الصغير: **(م-٢)**.
## زائر الفجر بينما كنتُ أحاول تضميد جرح رعد بقطعة من عباءتي، سمعنا صوت وقع أقدام ثقيلة تقترب فوق الأرض الملحية. لم يكن ركضاً، بل مشياً واثقاً لا يخشى أحداً. ظهر من بين القبور رجلٌ يرتدي بزة عسكرية قديمة لا تحمل أي رتبة، وعلى وجهه ندبة طويلة تشق عينه اليسرى. توقف على بعد أمتار منا، ونظر إلى الدخان المتصاعد من الخان البعيد. * **الرجل:** “لقد أفسدتِ الطبخة يا حاجة.. لكنكِ وفرتِ علينا عناء التخلص من ‘الشيخ’ وفريقه الفاشل.”
* **أنا (بصوت مبحوح):** “من أنتم؟ وماذا تريدون من طفلة لا ذنب لها؟” * **الرجل (يضحك بسخرية):** “ذنبها؟ ذنبها أنها ولدت بدمٍ نقي يتقبل ‘الدمج’. ما رأيته في السرداب لم يكن إلا تجربة أولية.. (م-١). أما حفيدتك، فهي النسخة (٢).” ## سر رعد المد.فون