بعـد ٣٦ سنـة جـواز… أنـا وجـوزي اتطـلقنا بـس فـي جـنازته، أبـوه قـرب مـني وهـو منهـار وقـالي جملـة قلـبت حياتي: إنتي ظلمتيه ما تعرفيش هو كان بيعمل إيه علشانك….؟ أنا اسمي سارة… وكنت أعرف أحمد من وإحنا عندنا ٥ سنين. كنا جيران… نفس الشارع، نفس المدرسة، نفس الصحبة… حياتنا كانت ماشية جنب بعض من وإحنا أطفال. اتجوزنا وإحنا في العشرين… وقتها الدنيا كانت بسيطة… من غير تعقيد… من غير حسابات تقيلة. كبرنا سوا… وخلفنا اتنين: بنت وولد…وحياتنا كانت مستقرة… هادية… شبه روتين ممل بس مريح.
لحد السنة الـ٣٥ من جوازنا… بدأت آخد بالي إن في فلوس بتختفي من الحساب المشترك. مبالغ مش صغيرة… كل شوية جزء يروح. الموضوع بدأ لما ابننا بعت فلوس وحطيتها في الحساب… بصيت على الرصيد… لقيته مش منطقي خالص. آلاف اختفت. وفي كل مرة أسأله… كان يرد برد مختلف: مصروفات البيت…شغل محتاج فلوس ..حولتهم وهيرجعوا بس… ماكانش بيرجع أي حاجة. بعد أسبوع… وأنا بدور على بطارية في مكتبه… لقيت حاجة خلت الدم يجمد في عروقي…إيصالات فندق.
متخبية تحت ورق…كلها لنفس المكان… نفس المدينة…ونفس رقم الأوضة. قلبي وقع..كلمت الفندق… وادعيت إني سكرتيرته… وسألت على الحجز بنفس اسمه. الموظف رد بسرعة من غير تردد: “أيوه طبعًا… الأستاذ أحمد من العملاء الدائمين… والأوضة دي شبه محجوزة باسمه دايمًا.”وقتها… كل حاجة وضحت…لما رجع البيت… حطيت الإيصالات قدامه. بص لها… وبصلي…ما أنكرش. بس… ما فسرش…سكت. والسكوت كان أقسى من أي اعتراف. العيشة مع السر ده… كانت مستحيلة. وبعد ٣٦ سنة… انفصلنا…بعدها بسنتين… مات فجأة. وفي جنازته…
لقيت أبوه، راجل عنده ٨١ سنة، عيونه حمرا ومنهار… قرب مني وميل علي وقال: “إنتي ما تعرفيش هو كان بيعمل إيه علشانك… صح؟” وقتها… حسيت إن في سر أكبر من الخيانة. سر… ممكن يغير كل اللي كنت فاكرة إني عرفاه… لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليـكم باللينـك – حكـايات أسمـا السيـد اللهم اخرجنا من كل ضيق إلى أوسع طريق.. واهدِ نفوسنا لما يرضيك ووسّع علينا في أنفسنا وأحوالنا يا كريم
بصيتله وقلبي بيدق بطريقة غريبة… مش خوف… ولا حتى فضول عادي… كان إحساس تقيل… كأن في حاجة كبيرة هتتقال وهتقلب كل اللي جوايا
قلتله بصوت واطي: يعني إيه؟
قعد على الكرسي جنب القبر… إيده بترتعش… ووشه باين عليه سنين مش بس حزن لحظة
قال: أحمد عمره ما خانك يا سارة
الكلمة دخلت في صدري زي الصدمة
ضحكت ضحكة باهتة وقلت: إيصالات الفندق كانت كدب يعني؟ ولا الحساب اللي كان بيتسحب منه آلاف؟
بصلي بعين مليانة دموع وقال: لو كنتي سألتيه صح… كان قالك… بس هو اختار يسكت
اتنرفزت: يسكت ليه؟! أنا مراته مش غريبة!
سكت شوية وبعدين قال: علشان وعدني… ووعد واحد تاني… إن السر ده يفضل مدفون
حسيت إن الأرض بتميد بيا
قلتله: قول… أنا خلاص معنديش حاجة أخسرها
بلع ريقه وقال: أحمد كان بيروح الفندق… بس مش علشان واحدة
وقفت مكاني… مش قادرة أتكلم
كمل: في نفس الأوضة… كان في حد تاني مستنيه كل مرة
قلتله بحدة: مين؟
قال: بنت
سكت لحظة… وكأن الكلمة تقيلة عليه
قال: بنته
الدنيا اسودت في وشي
رجعت خطوة لورا وقلت: إنت بتقول إيه؟!
قال: قبل ما يتجوزك بسنة… أحمد كان مرتبط ببنت… حصل بينهم حاجة…
والبنت حملت
قلبي بدأ يدق بسرعة مرعبة
قال: أهلها خدوها وسافرت… وخبوا الموضوع كله… وأحمد ما عرفش غير بعد سنين
قلتله: يعني إيه بعد سنين؟
قال: من حوالي خمس سنين… البنت دي رجعت… ومعاها بنت… مريضة
سكت وبعدين قال: كانت محتاجة علاج غالي… جدًا
افتكرت الفلوس
افتكرت الحساب
افتكرت الإيصالات
كل حاجة بدأت تربط
قلت بصوت مكسور: يعني الفلوس دي…
قال: كانت بتروح لعلاجها… والفندق؟ علشان كانت جاية من محافظة تانية… وكان بيحجز لها نفس الأوضة كل مرة علشان تبقى مرتاحة
دموعي نزلت من غير ما أحس
قلت:
طب ليه مخبّي عليا؟ ليه خلاني أفتكر إنه بيخوني؟!
رد بهدوء موجع: علشان إنتي… يا سارة… قلبك كبير… وكان عارف إنك هتوافقي تبيعوا كل حاجة علشان تنقذي البنت
سكت شوية وبعدين كمل: وهو كان رافض يخسرك… أو يخليكي تتحملي الذنب ده
حط إيده على وشه وقال: كان بيقول دايمًا… “أنا أستحمل إنها تكرهني… بس ما تستحملش وجع أكتر”
وقعت على الكرسي
حاسه إني مش قادرة أتنفس
كل مرة كنت بشوفه فيها ساكت… كنت فاكرة إنه بارد
كل مرة كنت بزقّه بعيد… كان سايبني علشان يحافظ عليا
قلت وأنا بعيط: طب والبنت؟
هي فين دلوقتي؟
بصلي وقال: ماتت
الكلمة نزلت عليا زي الطعنة
قال: ماتت من ٦ شهور… وبعدها أحمد… ما استحملش
افتكرت شكله قبل ما نتطلق… التعب اللي كان في عينه… السكوت اللي كنت فاكرة كبرياء
قلت: يعني أنا… ظلمته؟
قال بهدوء: أيوه… بس هو كان راضي بده
بصيت للقبر
وقلت بصوت مكسور: أنا كسرت قلبه… وهو كان بيحاول يحميّ
سكتنا لحظة… والهواء كان تقيل
قال: في حاجة تانية
بصيتله
طلع ظرف من جيبه وقال: ده كان كاتبه لك…
وقالي ما أديهوش ليكي إلا بعد ما يمو.ت
إيدي كانت بتترعش وأنا باخده
فتحته…
خطه
نفس الخط اللي كنت بشوفه كل يوم ٣٦ سنة
“سارة…
لو بتقري الكلام ده… يبقى أنا مش موجود
أنا عارف إنك كرهتيني… ويمكن عندك حق
بس كان لازم أختار
يا إني أقولك الحقيقة… وأحطك في اختبار تقيل… يا إني أشيل كل حاجة لوحدي
أنا ما خنتكش يوم… ولا حبيت غيرك
البنت دي… دمّي… ومقدرتش أسيبها تمو.ت
كنت عارف إنك هتوقفي جنبي…
بس كنت كمان عارف إن ده هيكسرك
وأنا عمري ما كنت عايز أكسرك
سامحيني… لو قدرتي
ولو ما قدرتيش… أنا متفهم
بس اعرفي… إنك كنتي أجمل حاجة في حياتي
وإن ٣٦ سنة معاكي… كانوا العمر كله
أحمد”
الورقة وقعت من إيدي
وانا بعيط بطريقة عمري ما عيطتها
مش على جوازي… ولا على الطلاق…
على راجل عاش ومات وهو شايل وجع لوحده
وقتها بس فهمت…
إن في ناس… بتحبك لدرجة إنها تقبل تخرج من حياتك… علشان تفضل كويس
بصيت للقبر وقلت:
“أنا آسفة… يا أحمد… متأخرة…
بس آسفة”
ومن ساعتها…
ما بقيتش بحكي حكايتي على إنها خيانة…
بقيت بحكيها على إنها…
أصعب حب… ما اتفهمش في وقته
حكايات أسما السيد