وقفت قدام القبر وقت أطول من اللي أي حد استحمله… الناس كلها كانت مشيت… الصوت الوحيد اللي باقي هو الهوا وهو بيعدي بين الشجر وصوت أنفاسي المتقطعة… كنت حاسة إني أول مرة أشوف الحقيقة بعيني بعد سنين من الغضب والظن… مسحت دموعي بإيدي المرتعشة وقلتله بصوت واطي كأنه سامعني: أنا جيت متأخرة… بس جيت… وسامحني يا أحمد… سبت المكان وقلبي تقيل بس فيه حاجة جديدة… وجع ممزوج براحة غريبة… كأني أخيرًا فهمت
رجعت البيت… نفس البيت اللي كنت سايباه من سنتين وأنا شايلة كره وتعب… دخلته النهارده وأنا شايلة ندم وأسئلة… بصيت حواليّ… كل ركن فيه حكاية…
كل حاجة فيه كانت شاهدة على حب أنا ما فهمتوش… دخلت أوضته… المكتب لسه زي ما هو… الأوراق مترتبة… القلم في مكانه… كأنه لسه خارج وهييجي تاني… قعدت على الكرسي وفتحت الدرج… يمكن ألاقي حاجة… يمكن ألاقي إجابة زيادة… يمكن ألاقيه
لقيت ملف صغير… مكتوب عليه بخط إيده “مهم”… قلبي دق بسرعة… فتحته… كان فيه تقارير طبية… تحاليل… أشعة… اسم بنت… “مريم أحمد”… وقفت عند الاسم… أحمد… دموع جديدة نزلت… قلبي اتقبض وأنا بقلب في الورق… سرطان… مراحل… أدوية… تواريخ… وفواتير… أرقام كبيرة جدًا… أكبر من اللي كنت شايفاها بتتسحب من الحساب… كان بيصرف كل حاجة… كل قرش…
علشان تنقذ
قعدت على الأرض وأنا حاسة إني بتكسر من جوايا… مش بس علشان اللي فات… علشان اللي ضاع… سنتين من البعد… سنتين من القطيعة… سنتين وهو لوحده بيحارب وأنا فاكرة إنه بيخوني… حطيت إيدي على وشي وقلت بصوت عالي لأول مرة: ليه ما قولتش؟ ليه سيبتني أكرهك؟… الإجابة كانت في الجواب… كان خايف عليا… وده وجع أكتر
فضلت أقلب في الملف… لحد ما لقيت ورقة صغيرة… عنوان… رقم تليفون… اترددت… قلبي بيشدني وفي نفس الوقت خايفة… الرقم ممكن يكون لمين؟ لأم البنت؟ لحد من أهلها؟ فضلت ماسكة الورقة وقت طويل… وبعدين خدت نفس عميق واتصلت
رن… مرة…
اتنين… تلاتة… قلبي كان هيطلع من صدري… وبعدين صوت ست ردت… صوتها هادي ومكسور شوية… قلت: السلام عليكم… أنا… أنا سارة… وسكت… مش عارفة أكمل… قالت: وعليكم السلام… سارة مين؟… قلت: سارة… مرات أحمد… وسكت تاني… في لحظة صمت طويلة… وبعدين سمعتها بتاخد نفس تقيل وتقول: كنا مستنيين اليوم ده
الكلمة وقعت عليا تقيلة… قلت: أنا لقيت رقمك في ورقه عنده… أنا… أنا عرفت كل حاجة… صوتي اتكسر… قالت بهدوء: هو كان بيقول إنك لو عرفتي… هتيجي… سكتنا لحظة… وبعدين قالت: مريم ماتت… بس هو كان كل حاجة ليها… وكل حاجة لينا… قلت: أنا عارفة… وأنا آسفة…
آسفة إني ما كنتش موجودة… آسفة إني فهمت غلط… آسفة إني سيبته لوحده… لقيتها بتعيط على الطرف التاني… وقالت: هو عمره ما زعل منك… كان دايمًا يقول إنك لو عرفتي الحقيقة… هتسامحي
اتفقنا نتقابل… في نفس اليوم… مش قادرة أستنى… روحت العنوان… بيت بسيط… باب خشب قديم… خبطت… فتحتلي ست في أواخر الأربعين… عيونها شايلة حزن سنين… ح.ضنتني من غير ما تقول كلمة… ح.ضن طويل… ح.ضن ناس بينهم وجع مشترك… دخلت… قعدنا… وبصيت حواليّ… صور… صورة لبنت صغيرة… جميلة… ابتسامة هادية… سألتها: دي مريم؟… هزت راسها… وقعدت تحكي
حكتلي إزاي رجعت بعد سنين… إزاي كانت خايفة تقرب…
إزاي أحمد لما عرف… ما سابهمش لحظة… كان بييجي كل أسبوع… يحجز الأوضة في الفندق علشان العلاج كان في القاهرة… كان بيبات جنبها على كرسي… كان بيخبي عنها تعبه علشان ما تخافش… كان بيضحك لها… كان بيشتري لها هدايا صغيرة… كان بيعمل كل حاجة الأب الحقيقي يعملها… وأنا… كنت بعيده… فاكرة إنه بيخون
قالتلي إن مريم كانت عارفة إن ليه بيت تاني… وإنه عنده زوجة وأولاد… وكانت دايمًا تسأله: ماما تعرف؟… وكان يبتسم ويقول: في الوقت المناسب… بس الوقت ما جاش… المرض كان أسرع… ولما ماتت… هو اتكسر… اتغير… سكت أكتر… تعب… وبعدها بشهور…
ساب الدنيا
سمعت كل كلمة وكأنها سكينة… بس في نفس الوقت… كنت حاسة بفخر غريب… الراجل اللي عشت معاه… كان أعظم بكتير من اللي أنا شفته… كان بيحب بطريقة أنا ما تخيلتهاش… حب مسؤولية… حب تضحية… حب صامت
قبل ما أمشي… الست مسكت إيدي وقالت: في حاجة ليكي… دخلت جابت علبة صغيرة… قالت: دي كانت عند مريم… قالت إنها عايزاها توصل لمراته… فتحتها… لقيت سلسلة بسيطة… فيها حرف “س”… وورقة صغيرة… مكتوب فيها بخط طفولي: “أنا بحبك يا ماما التانية… بابا كان بيحكي عنك كتير”… وقعت دموعي من غير ما أقدر أسيطر… ح.ضنت السلسلة وقلبي بيوجع… بس لأول مرة…
الوجع ده فيه سلام
رجعت البيت… وقفت قدام المراية… وشفت نفسي… نفس الست… بس مش نفس القلب… القلب بقى فاهم… بقى أهدى… بقى قادر يسامح… حطيت السلسلة في رقبتي… وبصيت لنفسي وقلت: أنا هكمل… هعيش… وهحكي
ومن ساعتها… بدأت أحكي الحكاية… مش علشان ألوم نفسي… ولا أبرر له… بس علشان الناس تفهم… إن مش كل سكوت خيانة… ومش كل بعد نهاية… في حكايات بتستخبى ورا أبواب مقفولة… وحب بيتدفن من غير ما يتشاف
وكل مرة أحكي… بحس إني بقرب له خطوة… وبسامحه أكتر… وبسامح نفسي… يمكن متأخر…
بس يمكن كفاية علشان أعيش اللي باقي بسلام
حكايات أسما السيد