خد الغسالة وقال ببساطة: «أمي عاوزه الغساله بتعتنا»… قالها سامر ببرود غساله المطبخ عندها باظت، : رجعت البيت العصر، لقت الصالة مقلوبة، وسامر قاعد في نص الكركبة وشكله شايط. أول ما شافها وقف وزعق: — «إيه اللي إنتي عملتيه ده يا ندى؟ فين الهدوم اللي كانت في الدولاب؟ وفين طقم السرير؟ أنا مش لاقي حاجة ألبسها عشان أنزل الشغل بكرة!» ندى حطت شنطتها على التربيزة بمنتهى البرود، وبصت له بابتسامة خفيفة: — «أصل بصراحة يا سامر، لقيت إن “الغسالة” مش هي الحاجة الوحيدة اللي مامتك محتاجة لها.. فبعت الهدوم والملايات والمفارش كلها لبيت مامتك في كيس كبير.»
سامر تنح، وعروقه برزت: — «بعتي هدومي لأمي؟ إنتي اتجننتي؟ أمي هتعمل إيه بهدومي؟» ردت وهي بتقلع ساعتها بهدوء: — «مش إنت قولت أمي أولى؟ قولت بما إن الغسالة بقت عندها، يبقى لازم تروح لها الحاجة اللي بتتغسل كمان.. مش معقول أتعبك وتشيل الغسالة توديها هناك، وأنا أخلي الهدوم هنا تتراكم وتعمل ريحة.. كده الهدوم عند الغسالة، وكله عند مامتك.. يعني “الباكيدج” كملت!» سامر لسه هيفتح بقه عشان يشتم، قاطعته وهي بتشاور على باب الشقة:
— «وعلى فكرة.. بما إنك “ابن بار” أوي كده وبتحب التبرعات، أنا كمان قررت أتبرع بوقت مجهودي في البيت ده لنفسي وبس. الشقة دي ملكي يا سامر، والحيطان دي شهدت كتير.. من اللحظة دي، إنت ضيف.. والضيف يا بيحترم صاحب البيت، يا بيدور على “غسالة” تانية تلمه.» #الكاتب_رومانى_مكرم سكتت لحظة وبصت في عينيه بقوة لأول مرة: — «الراجل اللي جاي ياخد الغسالة بكرة، أنا كلمته وقولت له ييجي ياخد “العفش” اللي أنا مش محتاجاه كمان.. تحب ييجي ياخدك معاهم في السكة؟»
سابته واقف مكانه زي التمثل، دخل سامر في نوبة ذهول، ملامحه اللي كانت شايطة اتحولت فجأة لعلامات استفهام وصدمة، وكأنه مش مصدق إن ندى الهادية “الطيوبة” هي اللي واقفة قدامه وبتقوله الكلام ده. حاول يجمع صوته اللي هرب منه وقال بلجلجة: — «إنتي بتقولي إيه يا ندى؟ شقة إيه اللي ملكك؟ إنتي ناسية إننا دافعين تمنها سوا؟ وبعدين إيه حكاية الراجل اللي جاي ياخد العفش دي؟ إنتي بتهزري صح؟» ندى ضحكت ضحكة قصيرة مفيهاش أي مودة، وطلعت من شنطتها عقد مسجل وقفلت الشنطة تاني ببرود:
— «لا يا حبيبي، مش بهزر. الشقة دي باسمي من يوم ما اشتريناها، فاكر لما قولت لي عشان “الضرائب” وعشان “الأمان”؟ كنت فاكرة إنك بتأمنني، طلعت بتأمن نفسك عشان لما تحب “تبر بوالدتك” على حسابي متخافش من حاجة. بس أنا كنت أذكى، والورق مبيكذبش.» سامر وشه جاب ألوان، وبدأ يلف في الصالة زي المجنون: — «يعني إيه؟ يعني إنتي عاوزة تطرديني من بيتي عشان غسالة؟ ده أنا ابني لسه راجع من المدرسة، هتقولي له إيه؟ إن أمه طردت أبوه عشان خاطر حتة حديدة؟»
ندى ملامحها اتصلبت وقربت منه خطوة واحدة، وصوتها بقى حاد زي الموس: — «ماتدخلش “ابننا” في النص عشان تداري خيبتك. ابنك لما يكبر هعلمه إن الراجل اللي مبيحترمش بيته ومراته، ملوش مكان فيه. أما الغسالة، فدي كانت القشة اللي قطمت ظهر البعير يا سامر. إنت مش بس خدت الغسالة، إنت استهونت بيا، بوجودي، وبحقوقي في بيتي.» فجأة، تليفون سامر رن. كانت مامته. بص للشاشة وبص لندى بخوف، ندى شاورت له بإيدها: — «رد.. رد يا “بار”، يمكن تكون عاوزة البوتاجاز كمان عشان تطبخ لك فيه الهدوم اللي بعتهالها!»
فتح سامر الخط وهو إيده بتترعش، وجاله صوت أمه العالي والمنفعل: — «إيه يا سامر؟ إيه الكياس اللي ندى بعتاها دي؟ دي باعتة لي هدومك وملايات سريرك مقطعة وعليهم ورقة مكتوب فيها “الغسيل أمانة عندك يا ست الكل”.. هي ندى جرى لعقلها حاجة يا ابني؟» سامر نزل التليفون من على ودنه ببطء وهو بيبص لندى اللي كانت واقفة مربعة إيدها ومستنية. ندى كملت كلامها بمنتهى الهدوء:
— «أنا مبعتش الهدوم مقطعة يا سامر، أنا بعتها زي ما هي.. بس الظاهر إن مامتك لما شافت إنك “هتتحوج لها” في غسيل لبسك، خافت من المسئولية. أصل البر يا سامر مش كلمة بتتقال، البر فعل.. وإنت لا بريت بيا، ولا عرفت تبر بأمك صح.» سامر لسه هيتكلم، خبط الباب خبطات قوية ومنتظمة. ندى بصت في ساعتها وقالت: — «ده مش بتاع العفش يا سامر.. دول أهلي، جايين ياخدوا لبسي وحاجتي الغالية عشان هقفل الشقة دي بالشمع الأحمر لحد ما المحامي يخلص إجراءات “الخلع”.»
اتفتح الباب ودخل أخو ندى الكبير، وبص لسامر بصه خلت الأرض تتهز تحت رجليه. ندى بصت لسامر وقالت كلمتها الأخيرة في الجزء ده: — «قدامك 10 دقائق يا سامر. تلم فيها “البواقي” اللي فاضلة لك هنا، وتروح لمامتك.. الغسالة مستنياك هناك، والهدوم مستنية اللي يغسلها. الشقة دي من اللحظة دي.. ممنوع عتبتها تلمسك.» سامر وقف مكانه، حاسس إن السقف بيقع عليه، وبين نظرات أخو ندى القـ,ـاتلة وبرود ندى المرعب، لقى نفسه بيتحرك زي الآلة ناحية الأوضة، وهو مش عارف هيروح فين بالظبط، ولا هيقول لإبنه إيه لما يسأله: “إحنا ليه رايحين ننام عند تيتة والشنط دي فيها إيه؟”
دخل سامر الأوضة وهو بيجر رجليه، وصوت ضـ,ـربات قلبه كان مسموع. حاول يلم أي حاجة تقابله، بس عقله كان مشلول. فتح الدولاب لقى الرفوف فاضية فعلًا، ندى مكدبتش، هي فعلًا شحنت “تاريخه” كله لبيت أمه في أكياس. في الصالة، كان أخو ندى، “خالد”، واقف زي الجبل، باصص في ساعته وبيردد ببرود: — «فاضل ٧ دقايق يا سامر. مش عاوزين مشاكل، لم اللي فاضل بالذوق عشان ابنك م يشوفش منظر مش لطيف وهو راجع من درسه.»
خرج سامر من الأوضة شايل شنطة رياضية قديمة فيها شوية أوراق وشرابات كانت تايهة تحت السرير، ووقف قدام ندى اللي كانت واقفة في البلكونة بتشرب قهوتها وكأن مفيش زلزال بيحصل في البيت. سامر بصوت مهزوز: — «ماشي يا ندى.. همشي. بس وحياة ابني ما هسيبك تتهني بالشقة دي يوم واحد. الورق اللي معاكي ده هبله واشربي ميته، أنا ليا شقى عمري هنا، والمحاكم بينا.» ندى لفت وشها له ببطء، وابتسمت ابتسامة خلت جسمه يقشعر:
— «المحاكم؟ ده أنا كنت لسه هقولك يا ريت نخلص ودي عشان خاطر “الولد”. بس بما إنك فتحت سيرة المحاكم، فـ “قائمة المنقولات” يا سامر فيها الغسالة اللي إنت خدتها، وفيها طقم الألماظ اللي إنت “استلفته” مني عشان تمر بضائقة مالية ورهنته من ورايا.. تحب أقدم البلاغات دلوقتي ولا نستنى للصبح؟» سامر وشه شحب، وعرف إن ندى كانت “مستتتة” لكل خطوة. نزل راسه وخرج من باب الشقة وهو بيسمع صوت المفتاح وهو بيلف في القفل وراه.. تكة القفل دي كانت زي الطلقة في قلبه.
وصل بيت أمه، لقى الشارع كله بيتفرج على أكياس الهدوم اللي مرمية قدام الباب، وأمه واقفة فوق راسهم بتصوت: — «يا فضيحتك يا سامر! بقى دي آخرة تربيتي؟ تبعت لي هدومك وسخة ومكركبة وتقول لمراتك إن أنا اللي طلبت الغسالة؟ أنا قولت لك الغسالة بتنقط مية، قولت لي هصلحها، مقولتش روح اسـ,ـرق غسالة ندى!» سامر وقف وسط الهدوم والأكياس، والناس بتبص له بشماتة، وأمه بدل ما تنصفه، كانت خايفة على شكلها قدام الجيران. في اللحظة دي، تليفونه نور برسالة من ندى:
— «ابنك معايا، هياكل وينام عندي النهاردة. بكرة الصبح يروح مدرسته من بيته “الملك”. إنت بقى.. ابدأ اغسل هدومك، بيقولوا الغسيل اليدوي بيعلم الصبر!» سامر قعد على سلم البيت، وحط راسه بين إيديه. الغسالة اللي كان فاكر إنها هتحل مشكلة أمه، بقت هي المسمار اللي دقته ندى في نعش جوازهم. بس سامر مكنش من النوع اللي بيستسلم بسهولة، وفي وسط سواد الليل، عينه لمعت بفكرة شيطانية.. لو الشقة باسمها، فالعفش لسه “عهدة” في رقبته. طلع تليفونه وكلم واحد صاحبه من “بتوع الشوارع” وقال له بصوت واطي:
— «جهز لي عربية نص نقل بكرة الفجر.. ندى فاكرة إنها كسبت، بس أنا هخليها تصحى تلاقي الحيطان بس هي اللي ملكها.» الفجر لسه مأذنش، والشارع هادي تماماً.. عربية نص نقل وقفت بعيد عن مدخل البيت بشوية، ونزل منها سامر ومعاه اتنين ملامحهم متطمنش. سامر كان معاه نسخة قديمة من مفتاح الشقة كان مخبيها في محفظته للطوارئ.