منوعات

الغساله حكايات رومانى مكرم 2

وصل سامر بيت أمه والغل بياكل في قلبه، كان متخيل إنه هيدخل يرمي حملة ويرتاح من يومه الأسود، لكنه لقى الشارع مسدود بناس، وصوت صريخ طالع من بيتهم. جرى وهو فاكر إن أمه جرى لها حاجة، بس الصدمة كانت أكبر. لقى “محضر” واقف قدام الباب، وعمال بيجرد في عفش بيت أمه نفسه! أمه كانت قاعدة على الرصيف بتلطم، والغسالة اللي كانت سبب المشكلة، مرمية في نص الصالة وعليها ورقة “حجز”. سامر بذهول: — «في إيه؟ إيه اللي بيحصل هنا؟ إنتوا مين وبتحجزوا على بيت أمي ليه؟»

المحضر بص له ببرود وطلع ورقة: — «إنت سامر؟ والدتك كانت ضامنة خالك في قرض كبير من البنك، وبما إن خالك فص ملح وذاب، والكمبيالات اتأخرت، البنك خد حكم بالحجز على المنقولات اللي في البيت هنا.. وأولهم الغسالة “الجديدة” اللي لسه واصلة، لأنها الحاجة الوحيدة اللي ليها قيمة وماركة غالية.» أمه شافت سامر، قامت وهجمت عليه وهي بتصوت: — «يا فقر! يا وش النحس! من ساعة ما دخلت الغسالة دي البيت والخراب حل علينا.. ندى كانت وش السعد، وإنت وش الفقر.. ضيعت بيتك، وهتضيع لي عفشي وشقى عمري!»

سامر وقف مشلول، الغسالة اللي سـ,ـرقها من مراته عشان يرضي أمه، هي أول حاجة هتتاخد من أمه عشان تسدد ديون غيرها. حس إن الدنيا بتلف بيه، وفي اللحظة دي تليفونه رن.. كانت “ندى”. رد سامر بصوت ميت: — «عايزة إيه تاني يا ندى؟ مش كفاية اللي أنا فيه؟» جاله صوت ندى هادي، واثق، ومنتظم: — «سمعت إن “المحضر” عندك.. متستغربش، أنا عارفة إن خالك هربان من زمان، وعارفة إن مامتك هي الضامنة. كنت قادرة أقولك من شهر، بس قولت أسيبك تختار.. ولو كنت اختارت بيتك ومراتك، كنت سددت الدين ده من ورثي وسترت على مامتك.. بس إنت اختارت “الغسالة”.»

سامر صرخ في التليفون: — «يعني إنتي كنتي عارفة؟ كنتي عارفة وسبتيني أقع الوقعة دي؟» ندى ردت بكلمة واحدة هزت كيانه: — «أنا مسبتكتش تقع، أنا سيبتك “تختار” مقامك.. ومقامك طلع غسالة. دلوقتي يا سامر، أنا هرفع دعوى حبس بتبديد القايمة لأنك مضيت على التنازل بس الغسالة فعلياً عليها حجز إداري يعني مخرجتش من ذمتي القانونية.. يعني إنت دلوقتي قدام خيارين: يا تطلقني “إبراء” وتتنازل عن رؤية الولد تماماً مقابل إني أسدد دين مامتك وأسحب البلاغ.. يا إما تشرف في التخشيبة وتتفرج على عفش مامتك وهو بيتباع في المزاد.»

سامر بص لأمه اللي كانت بتترجاه بعينيها يلحقها، وبص للغسالة اللي بقت زي “اللعنة” في حياته. ندى قفلت السكة، وسابته يواجه أصعب قرار في حياته. **هل سامر هيبيع “أبوته” عشان ينقذ عفش أمه؟ ولا هيعند ويخسر كل حاجة في لحظة؟** ارتعشت إيد سامر وهو بيبص لأمه اللي كانت بتشهق من كتر العياط، وبين المحضر اللي بدأ يلزق “استيكرات” الحجز على التلاجة والبوتاجاز. الدنيا اسودت في عينه، وحس لأول مرة بصغر حجمه قدام “تخطيط” ندى. هي مكنتش بتنتقم بس، دي كانت بترسم نهايته بالمللي.

زعق سامر في المحضر بهستيريا: — «استنى عندك! الغسالة دي مش ملكها، الغسالة دي بتاعت ندى.. قصدي أنا لسه واخدها منها.. يعني مش تبع العفش هنا!» المحضر رد عليه وهو بيكتب في الدفتر ببرود: — «يا أستاذ، الغسالة موجودة في بيت الست والدتك (الضامنة)، ومفيش فاتورة باسمها تثبت ملكيتها ليها، والمنقولات اللي في المكان تعتبر ملك لصاحب المكان قانوناً وقت الحجز. اتفضل ابعد عني عشان أشوف شغلي.» سامر دخل في نوبة غضب، طلع تليفونه وكلم ندى، وصوته كان طالع بالعافية:

— «إنتي يا ندى؟ إنتي تعملي فيا كل ده؟ تبيعي عشرة سنين عشان خاطر حتة حديدة؟ عاوزة تحبسي جوزك وأبو ابنك؟» ندى ردت ببرود مخيف، وصوت رشفة القهوة كان مسموع في الخلفية: — «عشرة إيه يا سامر؟ العشرة دي إنت اللي دوست عليها يوم ما دخلت عليا البيت وخدت حاجة بتعتي بـ “البلطجة” عشان ترضي نرجسيتك. وبعدين أنا مبعتش، أنا بشتري.. بشتري حرية ابني منك، وبشتري كرامتي اللي كنت فاكر إنك ممكن تذلها.» سامر نزل صوته وبدأ يترجاها:

— «طب عشان خاطر أمي.. الست غلبانة ومالهاش ذنب في خناقنا، العفش ده شقى عمرها، لو اتاخد هتمـ,ـوت فيها.» ندى سكتت لحظة، وبعدين قالت بنبرة حاسمة: — «الست الغلبانة دي هي اللي حرضتك وقالت لك “مراتك تكسر كلامك؟ دي غسالتنا”، وهي اللي كانت فرحانة وإنت شايل الغسالة ونازل بيها.. خلي “الغسالة” بقى تنفعها دلوقتي. قدامك ساعة واحدة يا سامر، المحامي بتاعي واقف على أول شارعكم ومعاه ورقة الطلاق “خُلعاً” وتنازل عن حقوقك في الرؤية المنظمة (تكون برغبة الولد بس).. تمضي، يدخل يسدد للبنك ويسحب المحضر فوراً.. ترفض، يبقى مامتك تنام على البلاط النهاردة، وإنت تبات في القسم بتهمة تبديد القايمة.»

سامر بص لأمه، لقاها بتبـ,ـوس إيده وهي بتقول: — «امضي يا ابني.. ابـ,ـوس رجلك امضي، دي هتشردني.. ندى طلعت وحشة أوي يا سامر، طلعت مابتسميش!» سامر حس إنه بين فكين كماشة؛ كرامته كرجل اللي اتهانت، وحياة أمه اللي بتنهار. مشي بخطوات تقيلة لآخر الشارع، لقى المحامي قاعد في عربية فخمة، وطلع له الورق والقلم. مضى سامر وهو حاسس إنه بيمضي على شهادة وفـ,ـاته. المحامي خد الورق، اتصل ب مكالمة سريعة، وبعد دقايق، المحضر اللي في البيت جاله تليفون، ولم حاجته وانسحب.

سامر رجع البيت، لقى أمه بتطبطب على الغسالة وهي بتعيط، كأنها هي اللي أنقذتها مش ندى. بص للبيت اللي بقى كئيب وفاضي من روحه، وطلع البلكونة يشم هوا.. لقى رسالة تانية من ندى: — «دلوقتي إنت حر.. وأنا حرة. الغسالة بقت ملكك رسمياً يا سامر، مبروك عليك.. ابقى خليها تآنس وحدتك.» سامر ضغط على التليفون لحد ما كان هيكسره، وعينه كانت بتلمع بشر جديد. هو خسر الجولة، بس في دماغه إن الحرب لسه طويلة.. وفيه سر ندى متعرفهوش عن “ورث أبوها” اللي لسه مظهرش، سر سامر كان ناوي يخليه مفاجأة الجزء الأخير من خطته.

** مرت أيام وسامر قاعد في بيت أمه زي “البيت الوقف”، الغسالة محطوطة في الصالة كأنها نصب تذكاري لهزيمته. أمه كل ما تشوفه بوشه المكشر ده، تبدأ تلومه وتقول له: «ما هي اللي كانت معمرة البيت، لو كنت طاوعتني وخدت الذهب بدل الغسالة مكنش ده حصل!» سامر مكنش بيرد، عقله كان في مكان تاني خالص. فتح الخزنة القديمة اللي والده سابها له، وطلع منها ظرف أصفر قديم عليه ختم “مكتب صحة”. بص للورقة اللي جوه بابتسامة صفرا وقال بصوت واطي:

— «إنتي فاكرة إنك قفلتي اللعبة يا ندى؟ إنتي متعرفيش إن “نص” الشقة دي، والورث اللي إنتي فرحانة بيه، مبني على كذبة.. وأنا الوحيد اللي معايا مفتاح الحقيقة.» في الناحية التانية، ندى كانت بدأت تستعيد توازنها. غيرت ديكور الشقة، ورجعت ضحكتها تنور البيت مع ابنها. وفي يوم، جالها اتصال من محامي غريب: — «يا مدام ندى، أنا المحامي الموكل عن ورثة “الحاج عبد الرحمن” شريك والدك القديم.. بنبلغك إن فيه قضية “نزاع ملكية” اترفت النهاردة على نصيبك في العقارات والمحلات، والمفاجأة إن الشاهد الوحيد اللي قدم مستندات تثبت إن والدك مكنش يملك الحصة دي بالكامل هو.. الأستاذ سامر، طليقك.»

ندى حست إن الأرض بتهتز تحتها. سامر مكنش بيحارب عشان غسالة ولا عشان كرامة، سامر كان شايل “كارت إرهاب” عشان يكسرها في أغلى ما تملك. طلبت ندى تقابله في مكان عام. وصل سامر وهو لابس أشيك بدلة عنده، وقعد قدامها وحط رجل على رجل وبص لها بمنتهى التشفي: — «منورة يا ست ندى.. ها، لسه شايفة إن الغسيل اليدوي بيعلم الصبر؟ ولا المحاكم هي اللي بتعلم الأدب؟» ندى بصت له بقوة رغم الرعشة اللي جواها:

— «إنت عاوز إيه يا سامر؟ الورق اللي معاك ده مزور، أنا عارفة بابا الله يرحمه كان بيعمل إيه.» سامر قرب منها وهمس: — «مزور أو حقيقي، ده هيفضل في المحاكم سنين.. وسنين المحاكم دي يعني “حجز” على كل مليم، يعني لا هتعرفي تصرفي على نفسك ولا على ابنك. أنا مش عاوز الغسالة يا ندى.. أنا عاوز أرجع الشقة، والمرة دي، الشقة هتبقى باسمي “أنا” لوحدي، وتنازل عن قضية الخـ,ـلع، ونرجع “سمن على عسل” قدام الناس.. يا إما تعيشي عمرك كله في الفقر اللي كنتي خايفة منه.»

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى