منوعات

الغساله حكايات رومانى مكرم 2

ندى سكتت، وبصت في عينيه كأنها بتقرأ نهايته. وفجأة، ضحكت ضحكة عالية خلت الناس في الكافيه يلتفتوا ليهم. — «تعرف يا سامر.. أنا كنت مستنية اللحظة دي. كنت عارفة إنك مخبي الورقة دي، وعارفة إنك “واطـ,ـي” لدرجة إنك تبيع ذمة أبويا عشان قرشين. بس اللي إنت متعرفهوش، إن المحامي اللي كلمك ده.. هو هو المحامي بتاعي، والورق اللي إنت قدمته.. “أصل النسخة” بتاعته معايا أنا، ومن إيد بابا الله يرحمه قبل ما يمـ,ـوت.» سامر وشه جاب ألوان:

— «بتقولي إيه؟ إنتي بتخرفي؟ الورق ده ملوش نسخة تانية!» ندى طلعت تليفونها وفتحت فيديو: — «ده فيديو لبابا وهو بيمضي على بيع وشراء حصة شريكه بالكامل، ومسجل في الشهر العقاري برقم أنا مخبياه ليوم زي ده. أنا سبتك تروح للمحامي وتقدم الورق المزور بتاعك عشان أرفع عليا قضية “تزوير محرر رسمي” وتكون نهايتك مش بس الطلاق.. لا، والسجن اللي كنت بهددك بيه وبقيت إنت بتسعى له برجليك.» سامر قام وقف، والدنيا بتلف بيه.. ندى وقفت هي كمان وقالت له بكل هدوء:

— «الغسالة كانت البداية يا سامر.. والسجن هو النهاية. استعد، لأن المحضر اللي هيجيلك المرة دي، مش هيحجز على عفش أمك.. ده هيحجز على حريتك إنت.» ارتعشت شفايف سامر، والورقة اللي كان فاكرها “حبل المشنقة” لندى، بقت هي القيد اللي بيلف حوالين رقبته. حاول يداري رعبة صوته وهو بيلم ورقه المزور بسرعة: — «إنتي أكيد بتهزري.. فيديو إيه وورق إيه؟ أنا مش عيل صغير عشان تضحكي عليا بالحركتين دول!» ندى قامت وقفت، لبست نضارتها السوداء وبصت له بصه أخيرة فيها شفقة أكتر من الغل:

— «أنا مبهزرش يا سامر. المحامي اللي إنت روحت له واديته الورق المزور، هو نفسه اللي صورك “صوت وصورة” وإنت بتعرض عليه الرشوة وبتحرضه على الشهادة الزور. الفيديو ده والورق دلوقتي في النيابة. يعني وإحنا واقفين كده، فيه أمر ضبط وإحضار صدر باسمك.» سامر مجرد ما سمع الجملة دي، ملامحه انهارت. بص حواليه في الكافيه كأنه بيدور على مخرج، وفجأة سابها وجري على بره ركب عربيته وطار على بيت أمه. دخل البيت وهو بينهج، لقى أمه قاعدة قدام الغسالة بتسبح، صرخ فيها:

— «لمي هدومك يا أمي! لازم نمشي من هنا، ندى بلغت عني وهتحبسني!» أمه بصت له ببرود غريب، مكنش فيه خوف في عينيها، مكنتتش بتهـ,ـجم عليه ولا بتلـ,ـطم. سكتت لحظة وقالت بصوت هادي وكسير: — «نمشي نروح فين يا سامر؟ الأرض وسعت عليك وضقت بيا يا ابني. ندى جت لي هنا من ساعة.. قعدت مكاني ده، وشربت معايا شاي، وقالت لي كل اللي إنت عملته.» سامر اتصدم: — «جت ليكي؟ وقالت لك إيه تاني؟» الأم بدموع:

— «قالت لي إنها مش هتحبسك عشان خاطر ابنها ميبقاش أبوه “سجين”.. بس بشرط واحد. إنك تطلع من حياتها للأبد، وتوقع على ورقة “تنازل نهائي” عن أي صلة بالولد، وتسافر تشتغل في المحافظة اللي خالك مستخبي فيها ومترجعش هنا تاني. ندى اشترت لي الشقة دي باسمي يا سامر، عشان مترميش في الشارع بسببك، بس طردتك إنت منها.. ومن قلبها.» في اللحظة دي، خبط الباب. سامر اتنفض، بس اللي دخل كان “خالد” أخو ندى، ومعاه شنطة هدوم سامر اللي كانت عند ندى. خالد رمى الشنطة تحت رجل سامر وقال له:

— «الورق اللي في النيابة هيفضل “تحت التحفظ”.. أول ما رجلك تخطي بره أسيوط، الورق هيفضل مكانه. لو فكرت تقرب من ندى أو ابنها، أو حتى تبعت رسالة، البلاغ هيتحرك وفي ظرف ساعة هتكون ورا القضبان. اختار يا سامر.. الغسالة والحرية في الغربة، ولا السجن هنا؟» سامر بص لأمه اللي دارت وشها عنه، وبص للشنطة، وعرف إنها النهاية. شال الشنطة بكسرة، وبص للغسالة اللي كانت سبب كل ده.. حس إنها بتضحك عليه. **بعد مرور سنة..**

ندى كانت واقفة في بلكونة شقتها، ابنها بيلعب حواليها، والبيت رايق وهادي. تليفونها رن، كانت رسالة من البنك بتأكد إن إيجار المحلات الجديد دخل حسابها. ابتسمت وقفلت التليفون. في مكان بعيد، في ورشة تصليح أجهزة قديمة، كان سامر واقف، هدومه متبهدلة شحم وزيت، وشايل على ضهره “حلة غسالة” تقيلة بيحاول يصلحها. مسح العرق من على وشه وبص للسما، وافتكر جملة ندى الأخيرة: «الغسيل اليدوي بيعلم الصبر». دلوقتي سامر عرف إن فيه غسيل مهما اتغسل، “الوسـ,ـاخة” اللي في النفوس مبتطلعش منه.. وإن ندى مخدتش الغسالة، ندى خدت حياته كلها، وسابت له الخردة.

**تمت.**

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى