بدر وصل الحارة والدـ,ـم بيغلي في عروقه، كلام رشيد لسه بيرن في ودنه ونار الغيرة قايدة في قلبه. أول ما قرب من البيت، شاف “نهال” واقفة قدام الباب مع جارتهم “أم عبده”، كانت بتضحك بعفوية وهي بتعدل طرحتها اللي زحفت لورا وبينت خصلات من شعرها الأسود الناعم. حكايات نورهان العشري
على الناحية التانية، كان في شاب من شباب الحارة واقف ساند على موتوسيكل وعينه مش نازلة من عليها، بيبصلها بإعجاب صريح وابتسامة رخمة.
بدر الدنيا اسودت في عينه، وصوته طلع زي الرعد هز أركان الحارة:
— “نهال!!!
تعالي عايزك
نهال اتخضت وضحكتها اختفت فجأة، وبصت لجارتها بإحراج وجريت على جوه. دخل بدر وراها ورزع الباب بقوة خلت البيت كله يتنفض. نهال وقفت في الصالة مرعوبة، لمت طرحتها بسرعة وقالت بصوت بترعش:
— “في إيه يا بدر؟ خضيتني! حصل حاجة؟ مالك يا أخويا داخل حامي كدة ليه؟”
بدر قرب منها وعينه بطلع شرار، وصوته كان واطي بس مليان غضب مكتوم:
— “أخوكي! هي الهانم اللي واقفة في الشارع تضحك وتكركر وشعرها باين للرايح والجاي دي تبقى مين؟ عاجبك نظرات الصايع اللي واقف برا ده؟”
نهال عيونها دمعت من الصدمة:
— “والله ما قصدت يا بدر، الطرحة اتزحلقت غصب عني وأنا بكلم أم عبده، وبعدين أنت عارفني كويس، أنا عمري ما بصيت…”
قاطعها بدر بزعيق وهو بيشاور على شعرها:
— “داري شعرك ده! داريه بدل ما تزعلي مني! أنتِ مش صغيرة، أنتِ شايلة اسم راجل وشايلة شرف عيلة كاملة. السبهللة اللي أنتِ فيها دي مش هسمح بيها تاني، سامعة؟”
نهال حست كأن كف نزل على وشها، كلامه كان تقيل وقاسي فوق ما تتحمل، خصوصاً إنها دايمًا بتعامله باحترام . بصتله بكسرة وقالت بصوت مخنوق بالعيط:
— “كتر خيرك يا ابن عمي.. كتر خيرك على كلامك اللي زي السم. أنا مغلطتش في حق أخوك، ولا عمري هغلط، بس الظاهر إن قعدتي في البيت ده بقت تقيلة على قلبك.”
بدر حس بنغزة في قلبه لما شاف دموعها، بس كبريائه وغضبه من موضوع رشيد خلاه يفضل واقف مكانه زي الصنم وميعتذرش. نهال سابته وهي بتعيط بحرقة، ولمت أطراف عبايتها وطلعت تجري على شقتها وقفلت الباب وراها. حكايات نورهان العشري
بدر فضل واقف في الصالة لوحده، يضـ,ـرب إيد في إيد وهو بيلوم نفسه: “ليه قلتلها كدة؟”، بس في نفس الوقت نار الغيرة كانت لسه بتاكل في قلبه كل ما يفتكر إن في حد غيره ممكن يبصلها.
★★★ البيت كان هادي، والست سميحة قاعدة في الصالة مع “منال” سلفتها وبنتها “سلمى” اللي كانت قاعدة بتعدل في لبسها وكل شوية تبص في المراية الصغيره اللي في شنطتها، مستنية رجوع بدر.
منال بدأت الكلام وهي بتشرب القهوة بصوت مسموع:
— ألا قوليلي يا سميحة ياختي. هو بدر مش كبر، بقى و آن الجواز يشوف حاله. المحل بسم الله ما شاء الله شايل اسمه وزيادة. عايزين نفرح بيه بقى. ابنك شال شيلة تقيلة من بعد حامد الله يرحمه، ونفسنا نشوفله بيت وعيال يملوا عليه دنيته.”
سميحة تنهدت بقلة حيلة:
— “يا ريت يا منال، ده أنا ريقي نشف معاه. كل ما أفتح السيرة يقلب الوش التاني ويقولي سيبيني في حالي.”
سلمى دخلت في الكلام بدلع وهي بتلعب في خصلة من شعرها:
— “يمكن يا طنط ملقاش اللي تخطف قلبه لسه؟ أصل بدر ده ذوقه صعب، وعايز واحدة تفهمه وتدلعه مش واحدة شايلة الهم طول النهار.”
في اللحظة دي، بدر دخل من باب البيت، وشه كان مجهد وعينه بتدور في الصالة. سلمى قامت وقفت بسرعة وبصتله بابتسامة عريضة:
— “حمد الله على السلامة يا بدر.”
بدر رد باقتضاب وهو بيحاول يعدي:
— “الله يسلمك يا سلمى.. أهلاً يا مرات عمي، منورين.”
سلمى حاولت تشاغله وهي بتقرب منه خطوة:
— “إيه يا بدر، انت تعبان ولا أيه؟ ده أنا حتى كنت جايبة لك معايا صنف أكل حلو عاملاه بإيدي، قلت لازم تذوقه وتقولي رأيك.”
بدر مسح على وجهه بتعب:
— “تسلم إيدك يا سلمى، ماليش نفس دلوقتي. بعد إذنكم هطلع أرتاح شوية.”
بدر سابهم وطلع السلم، بس سلمى مراحتش قعدت، فضلت واقفة عند طرف الصالة اللي بيكشف طرف السلم وممر الدور التاني. شافت “نهال” وهي طالعة شقتها، كانت ماشية ببطء والزعل باين في عينيها.
بدر وقف قدامها فجأة على السلم، ونهال حاولت تعدي من جنبه من غير ما تبص له، بس هو مد إيده ومسك طرف عبايتها بلهفة:
— “نهال.. استني بس.”
نهال وقفت من غير ما تلف وشها، وصوتها كان مخنـ,ـوق:
— “عايز إيه تاني يا بدر؟ متهيألي قلت كل اللي عندك وزيادة امبارح.”
بدر وطى صوته خالص، وبقت نبرته فيها رجاء:
— “حقك عليا..
والله ما كنت أقصد أوجعك. أنا بس.. أنا دمي بيغلي لما بشوف حد بيبص لك، مبقاش شايف قدامي. شعرك ده.. وضحكتك دي.. أمانة في رقبتي، وبغير عليكي من الهوا الطاير.”
نهال لفت له وعينها غرقانة دموع:
— “الغيرة مش بالسـ,ـكاكين يا بدر. أنت جـ,ـرحتني في كرامتي.”
بدر قرب خطوة، وصوته بقى همس:
— “والله ما تهوني عليا أبداً. امسحي دموعك دي، وصدقيني محدش يقدر يمس كرامتك أنا اللي هقفله . انا أكيد مش محتاج أقولك اني سندك يا نهال.. حتى لو مش عاجبك.”
سلمى كانت واقفة ورا الباب زي الصنم، وضوافرها بتنغرز في كف إيدها من كتر الغيظ. سمعت الهمس، وشافت نظرة “اللهفة” اللي في عين بدر لنهال، النظرة اللي عمره ما بصها ليها هي. حكايات نورهان العشري
رجعت قعدت جنب أمها ووشها بقى لونه أصفر، وعقلها بدأ يصورلها صور بشعة. همست لنفسها بحقد:
— “بقى بتصالحها يا بدر؟ وبتغير عليها من الهوا؟ ماشي.. ولاد حامد دول اللي رابطينك بيها، والست “الخضرة الشريفة” دي لازم تقع من نظرك ونظر الحارة كلها.”
منال لاحظت تغير حال بنتها، مالت عليها وهمست:
— “مالك يا بت يا سلمى؟ وشك جاب ألوان ليه؟”
سلمى ردت بفحيح:
— “مفيش يا ماما.. بس الظاهر إن البيت ده فيه “عقربة” لازم تتداس بالرجل عشان بدر يفوق لنفسه. نهال دي مش هتقعد مبقاش ينفع تقعد في البيت دا اكتر من كدا ★★★
الدنيا كانت ليل، وهدوء البيت مبيقطعهوش غير صوت الهوا اللي بيخبط في شجر الجنينة الصغيرة. بدر كان قاعد في الصالة لوحده، والبيت كله نام، وقدامه كشوفات الحسابات بتاعة المحل، بس عينه مش شايفة الأرقام.. عينه شايفة صورة نهال وهي بتعيط.
فجأة، سمع صوت “خروشة” خفيفة، وريحة بخور هادية بدأت تفوح. نهال كانت نازلة من شقتها، لابسة عباية بيتي واسعة ومحتشمة، ولابسة طرحة قطن لافاها بتلقائية. شافت بدر لسه قاعد، فاترددت ترجع، بس هو لمح خيالها.
بدر بصوت واطي ودافئ:
— “تعالي يا نهال.. لسه صاحية ليه؟”
نهال قربت بخطوات هادية، وهي باصة في الأرض:
— “قلت أنزل أعمل كوباية ينسون، العيال كانوا مقلقين شوية ولسه نايمين. أنت لسه مخلصتش شغل يا بدر؟”
بدر ساب القلم من إيده وسند ضهره لورا، وعينه مركزة في ملامحها اللي ضي السهاري مبين رقتها:
— “الشغل مبيخلصش.. بس قعدتي هنا هي اللي بتريح بالي. تعالي اقعدي عايز اتكلم معاكي.”
قعدت نهال على طرف الكرسي البعيد، فبدأ بدر كلامه
“لسه زعلانه مني؟”
نهال رفعت عينها وبصتله نظرة فيها عتاب مخلوط بحنية غريبة:
— “أنا مزعلش منك يا بدر.. أنا بس بخاف. بخاف الناس تفهم حنيتك عليا غلط، وأنت عارف كلام الناس مبيرحمش.”
بدر ميل عليها شوية، وصوته بقى فيه بحة رجولية هادية:
— “الناس مش شايفين اللي أنا شايله يا نهال. هما شايفين الظاهر، بس أنا اللي عارف مين السند ومين اللي البيت ده من غيره يبقى جدران فاضية. أنا لما بزعق، بيبقى خوف عليكي.. مش تسلط. أنتِ عندك أغلى حاجة سابها أخويا، وأنتِ نفسك.. ”
سكت بدر ثانية، وكأن الكلمة كانت هتطلع بس لجمها في آخر لحظة، وكمل:
“.. وأنتِ نفسك غالية عندي قوي، يمكن أكتر ما تتخيلي.”
نهال حست بقلبها بيدق بسرعة، والتوتر خلاها تفرك في طرف طرحتها. بدر مد إيده “بالغلط” وهو بيعدل كوباية الشاي، فلمست أطراف صوابعه إيدها لثانية واحدة. الثانية دي كان فيها كهربا خلت نهال تتنفض بس متبعدش إيدها.
بدر بابتسامة خفيفة وساحرة:
— “الشاي برد.. زي ما قلبي كان برد قبل ما تنزلي. كلي لقمة يا نهال، وشك دبلان من كتر التفكير. طول ما أنا في البيت ده، متخافيش من حد.. ولا حتى مني.”
نهال قامت وقفت بسرعة وهي بتحاول تداري كسوفها وضـ,ـربات قلبها اللي بقت مسموعة: بقلم نورهان العشري
— “تصبح على خير يا بدر.. المحل محتاجك بكره فايق.”
طلعت نهال السلم وهي حاسة إن رجليها مش شايلاها، وبدر فضل واقف مكانه، ريحة بخورها لسه في مناخيره، ولمسة إيدها “العفوية” معلمة على صوابعه، ولسان حاله بيقول: “يا ريتك تعرفي يا نهال إنك مراتي في قلبي، قبل ما تكوني مرات أخويا في الورق.” ★★★
سلمى كانت قاعدة في أوضتها، الإضاءة خافتة، وماسكة تليفونها بتقلبه بين إيديها بغل. صورة “نهال” وهي واقفة مع بدر على السلم مش عايزة تروح من خيالها. دخلت عليها أمها “منال” وهي بتفك طرحتها وبتقول بضيق:
— “مالك يا بت يا سلمى؟ من ساعة ما رجعنا من عند عمتك وأنتِ بتبرطمي، ووشك يقطع الخميرة من البيت.”
سلمى قامت وقفت، وعينها فيها لمعة شريرة:
— “عايزاني أضحك وإحنا كنا رايحين نخطب بدر، لا والبيه شكله دايب ست الحسن والجمال؟ بدر بيحب نهال يا ماما، بيحبها بجد! شوفت حبه عينه وهو بيبصلها وشوفته وهو بيمسح دموعها.”
منال اتخضت وشهقت:
— “ياساتر يا رب! ده أخوه ميت بقاله سنتين، عايز يتجوز أرملة أخوه؟ وسميحة ساكتة؟”
سلمى بضحكة سخـ,ـرية:
— “سميحة هانم غلبانة، فاكرة إن ابنها بيعمل كدة عشان ولاد أخوه. بس أنا مش غبية.. نهال دي لازم تخرج من البيت ده مطرودة، ومطرودة بـ “فـ,ـضيحة” تخلي بدر يقرف يبص في وشها، مش بس يتجوزها.”
منال قلقت وقربت من بنتها:
— “ناوية على إيه يا مقصوفة الرقبة؟ ابعدي عن سكة الفضايح، إحنا عيلة واحدة.”
سلمى لفت حوالين نفسها وهي بتخطط بصوت مسموع:
— “بدر راجل دمه حامي، والغيرة بتعميه.. شوفتي الواد الصايع اللي اسمه ‘تامر’ اللي ساكن في أول الحارة؟ الواد ده عينه من نهال وبيلف وراها بقاله كتير. أنا هخلي تامر ده ‘يتمطع’ قدام بدر بكلمتين، وهبعت لنهال رسالة من تليفون مجهول أخليها تنزل تقابله في وقت يكون بدر راجع فيه.. وساعتها بدر مش هيشوف غير إنها خاينه و ست مش كويسة
منال بخوف:
— “ولو اتكشفتي؟”
سلمى ببرود:
— “مش هتكشف. أنا هجيب خط تليفون جديد، وهعرف ألعب بـ تامر ده، هو أصلاً هيمـ,ـوت ويطول منها كلمة.
المهم بدر يشوفها وهي واقفة معاه في الضلمة، وساعتها مفيش اعتذار ولا ‘حقك عليا’ هينفعوا.. ساعتها بدر هو اللي هيرميها برا البيت بإيده.”
طلعت سلمى “برواز” صغير فيه صورة لبدر كانت واخداها من بيت عمتها، ومسحت عليه بضوافرها وهي بتقول بفحيح:
— “بدر ليا أنا.. والبيت ده ملوش غير ملكة واحدة، وأنتِ يا نهال ملكيش مكان وسطنا.” ★★★