الحارة كانت لسه هادية في وقت العصاري، بس بيت بدر كان بيغلي. سلمى نفذت خطتها وبعتت رسالة لنهال من تليفون مجهول بتقولها إن “ابنها يوسف عمل حـ,ـادثة وواقف عند أول الحارة مع حد من الجيران”. نهال نزلت تجري بقلب أم مرعوب، ولقت “تامر” الشاب الصايع واقف في حتة ضلمة شوية ورا البيت.
في نفس اللحظة، كانت سلمى “موزة” أخوها رشيد ومنال أمها إنهم يروحوا يكلموا بدر في المحل ويجروه للبيت بحجة إن في “حاجة غريبة” بتحصل ورا ظهره.
بدر وصل الحارة مع رشيد ومنال، وشاف نهال واقفة مع تامر، وتامر كان بيحاول يمسك إيدها عشان يهديها (بتمثيل من ترتيب سلمى)، وهي كانت بتعيط ومنهارة.
بدر الدنيا اسودت في عينه، هجـ,ـم زي التور الهايج، زق تامر وقعه في الأرض ونازل بقلم نورهان العشري فيه ضـ,ـرب، ولف لنهال وشه أحمر وعروقه بارزة وصوته هز البيوت:
— “بتقابلي الصايع ده هنا يا نهال؟ ورا بيتي وفي غيابي؟
نهال بصدمة وشهقات عياط:
— “والله يا بدر قالولي يوسف ابني جراله حاجة! أنا كنت فاكرة إنه…”
قاطعتها منال (مرات عمها) بصوت عالي عشان تلم الجيران:
— “يوسف إيه يا كذابة؟ يوسف فوق بيلعب مع العيال! قولي إنك اشتاقتي للرجالة ونسيتي حرمة الميـ,ـت!”
رشيد كمل بتمثيل الصدمة:
— “مكنتش أتخيل يا مرات ابن عمي إن ده معدنك.. إحنا كنا عايزين نصونك، أتاريكي ماشية على حل شعرك!”
نهال بصت لبدر بكسرة، كانت مستنية منه يدافع عنها، بس بدر كان مجنون، الغيرة عمته عن الحقيقة. مسكها من دراعها بقوة لدرجة إنها صرخت:
— “ادخلي جوا!
ادخلي بدل ما يكون آخر يوم في عمرك النهاردة!”
دخلوا البيت، وسميحة (الحما) نزلت مخضوضة على الزعيق. شافت نهال واقعة في الأرض بتعيط، ومنال ورشيد وسلمى واقفين زي القضاة بيوزوا في بدر.
سلمى ببرود ومكر:
— “يا طنط سميحة إحنا شوفناها بعنينا.. كانت واقفة معاه وبتضحك له، ولا كأنهم صحاب أوي أو يمكن حاجة تانية
سميحة قربت من نهال وحطت إيدها على كتفها:
— “اخرسي يا بت يا سلمى! نهال أشرف من أي حد . أنا عارفة نهال كويس، دي تربيتي.”
بدر زعق في أمه بهستيريا:
— “تربية إيه يا أما؟ أنا شوفتها بعيني!
شوفتها واقفة معاه في الضلمة! عايزة تكسر عيني وتذلني في الحارة؟”
نهال رفعت راسها لبدر، والدموع مغرقة وشها، بس نبرة صوتها كانت قوية من كتر الوجع:
— “أنت ظلمتني يا بدر.. الغرب لو شافوني مش هيصدقوا عني اني اعمل العيبة لكن أنت اللي كنت بتقول انك سندي أنت اللي طـ,ـعنتني في شـ,ـرفي. يا خسارة ثقتي فيك
بدر أول ما سمع جملة “ثقتي فيك”، جسمه كله اترعش، بس كبريائه وغـ,ـضبه خلوه يرد بقسوة:
— “ثقتك دي تدفـ,ـنيها تحت التراب زي ما دفـ,ـنتي شـ,ـرف أخويا! اطلعي شقتك، ومشوفش وشك في البيت ده، ولاد أخويا ميربوش مع واحدة زيك!” بقلم نورهان العشري
سميحة صرخت في بدر:
— “أنت اتجننت يا بدر؟ بتطـ,ـردها وهي ملهاش حد غيرنا؟”
بدر سابهم وخرج ورزع الباب وراه وهو بيتنفس بصعوبة، ونـ,ـار الغيرة لسه بتاكله، مش قادر يصدق إن “نهال” ممكن تكون لغيره، حتى لو كانت الخـ,ـيانة مجرد شك.
سلمى وقفت في الركن بابتسابته انتصار، وهي شايفة حلمها بيتحقق.. نهال اتكـ,ـسرت، وبدر بقى وحيد ومجـ,ـروح.
★★★ البيت كان غرقان في صمت كئيب بقاله يومين. نهال حابسة نفسها في شقتها فوق لا أكل ولا شرب، وبدر قاعد في الصالة تحت زي التمثال، المحل مقفول، والدنيا سودة في عينه.
دخلت “سلمى” البيت بخطوات واثقة، شايلة صينية أكل ومعاها أمها منال، وقالت بدلع وهي بتبص لبدر:
— “وبعدين يا ابن عمي؟ هتفضل حابس نفسك كدة؟ ارمي ورا ضهرك، والبيت اللي تخرج منه واحدة، تدخل مكانه ست الستات اللي تصونك.”
سميحة كانت قاعدة في الركن، ماسكة سبحتها وعينها بتراقب سلمى بهدوء مرعب. فجأة قامت وقفت وقالت بصوت قوي:
— “بدر..
قوم افتح التليفزيون اللي في الصالة، وحط الوصلة (الفلاشة) دي فيه.”
بدر بص لأمه باستغراب:
— “تليفزيون إيه يا أما دلوقتي؟ أنا فيا اللي مكفيني.”
سميحة بصرامة:
— “بقولك حطها يا بدر.. عشان تعرف إن عمى القلب أصعب من عمى العين.”
بدر قام بآلية وحط الفلاشة. الشاشة نورت، وظهر تسجيل “كاميرا مراقبة”. سلمى أول ما شافت الكاميرا، وشها بقى لونه أبيض زي الملّاحة، وصينية الأكل وقعت من إيدها اتدشت ميت حتة.
المفاجأة المبهرة:
التسجيل مكنش من الشارع، كان من “كاميرا صغيرة” بدر كان مركبها قدام باب البيت عشان يراقب بضاعة القماش اللي بتنزل بالليل.
الفيديو كان واضح جداً:
في أول مشهد ظهرت “سلمى” وهي واقفة ورا البيت بتدي فلوس لـ “تامر” الشاب الصايع، وبتحفظه هيعمل إيه.
و في المشهد الثاني سلمى وهي ماسكة تليفون “جديد” وبتبعت الرسالة لنهال، وبتبتسم بشر وهي بتشوف نهال نازلة تجري مرعوبة و في المشهد الثالث: تامر وهو بيحاول يمسك إيد نهال بالعافية أول ما شاف عربية بدر داخلة الحارة، ونهال بتبعده عنها وتصرخ فيه.
بدر كان بيتفرج والشاشة بتعكس ضوء أزرق على وشه اللي بدأ يترعش من الصدمة. الصمت في الصالة كان “مرعب”، مفيش غير صوت أنفاس بدر اللي بقت زي زئير الأسد.
لف بدر لسلمى ببطء.. نظرة عينه كانت تخوف أكتر من الزعيق. سلمى رجعت لورا وهي بتترعش:
— “بدر.. أنا.. أنا كنت بعمل كدة عشان بحبك! هي متستاهلكش، هي أرملة وأنا…”
بدر مقاطعهاش بكلمة، هو بس قرب منها ومن أمها، وصوته طلع “هامس” بس يقطع زي الموس:
— “كنتي بطـ,ـعني في شـ,ـرف ست طاهرة عشان “بتحبيني”؟ كنتي بترميني في نـ,ـار الشك عشان عايزة تقعدي مكانها؟”
بدر مسك الفلاشة وكسـ,ـرها في إيده لدرجة إن دمه سال، وبص لمنال وسلمى وقال بكلمة واحدة هزت البيت:
— “بــــــــرررررررراااااااااااا!!” بقلم نورهان العشري
منال حاولت تتكلم، بس بدر صرخ فيها:
— “براااا.. ورجليكم لو عتبت الحارة دي تاني، هنسى إن في صلة دم بيننا، وهخلي فضيـ,ـحتكم على كل لسان! برااا!”
خرجت سلمى وأمها بيجروا من الرعب.
بدر لف لأمه، ووقع على ركبه قدامها وهو بيخبي وشه في إيدها زي الطفل الصغير:
— “أنا ظلمتها يا أما.. أنا طـ,ـعنتها في شـ,ـرفها. نهال مش هتسامحني.. أنا قتـ,ـلتها بكلامي.”
سميحة طبطبت على راسه بحزن:
— “اللي كسرته بالشك، ميتصلحش غير باليقين يا بدر. اطلع لها و اعتذر لها وداوي الجـ,ـرح اللي أنت فتحته بإيدك..
بدر قام، وبص لسلم الشقة فوق كأنه شايف طوق نجاة، وبدأ يطلع السلم خطوة خطوة، وهو بيتحضر لأصعب مواجهة في حياته .
★★★ بدر واقف قدام باب شقة نهال، قلبه بيدق كأنه طبلة حرب، وإيده بتترعش وهو بيخبط خبطات واطية ومكسورة.
نهال فتحت الباب، كانت لسه لابسة أسود، وعينيها من كتر العياط بقت بلون الدم. أول ما شافته، حركت إيدها عشان تقفل الباب، بس بدر حط رجله بسرعة ومنعها، وصوته طلع مبحوح:
— “لو هتقفليه في وشي، اقطعي رجلي الأول يا نهال.. أنا مستاهلش غير كدة.”
نهال بصتله بجمود وقالت بصوت ميت:
— “عايز إيه تاني يا ابن عمي؟ متهيألي قولت كل اللي في قاموس الإهانة.
مفيش حاجة تانية لسه متقالتش.”
بدر دخل الشقة ببطء وقفل الباب وراه، ووقف قدامها والمسافة بينهم مفيش، وطى راسه لأول مرة في حياته وباس إيدها بدموع حقيقية:
— “أنا حيوان يا نهال.. حقك عليا الغضـ,ـب و الغـ,ـيرة غموا عيني. الحقيقة ظهرت، وسلمى اتفضحت ورميتها برا البيت هي وأمها. بس الوجع اللي في قلبي مش هيروح غير لما تقوليلي إنك مسمحاني
“الغيرة؟ غيرة إيه اللي تخليك تطـ,ـعن في عـ,ـرضي قدام الناس؟
أنت لو كنت بتعتبرني “لحمك” بجد، كنت سألتني على الأقل قبل ما تنطق كلمة واحدة.”
بدر رفع عينه وبص لها بنظرة خلت نهال تتسمر مكانها، نظرة مكنش فيها “أخو جوزها”، كان فيها “الراجل” اللي دايب في هواها:
— “أنا مغرتش عليكي عشان أنتِ عرضي وبس يا نهال.. أنا غرت عليكي عشان أنتِ روحي. أنا كنت بتقطع من جوه لأني حاسس إني بخون أخويا في كل مرة ببصلك فيها وأقول “يا بختك يا حامد”. أنا بحبك يا نهال!” بقلم نورهان العشري
نهال رجعت لورا خطوة، الصدمة خلت لسانها يتلجم:
