راوية (بإصرار وقوة غريبة طلعت منها): “أنا بيئة؟ أنا اللي صانتك وصانت بيتك في غيابك؟ أنا اللي شايلة قرف أمك وأختك بقالي سنين وساكتة عشان خاطر “البيت”؟ لو البيت ده مش هيحترمني، يبقى مايلزمنيش يا محمود!” محمود (ضحك بسخرية مرة): “مايلزمكيش؟ طب وريني بقى هتروحي فين ! بشنطة هدومك اللي جيتي بيها؟ البيت ده بتاع أمي، والشقة دي عند الحكومة بتاعتها يعني مش هتقعدي فيها حتى بالحضانة.. أنتِ هنا مجرد “ضيفة” تقيلة، وبناتك دول بكرة هرميهم في رقبة أول ناس تدق بابنا و اخلص منك
راوية (بانهيار): “حرام عليك.. دول بناتك! لحمك ودمك!” محمود (وهو خارج ورايح ناحية الباب): “مابقاش يهمني.. أنا عايز اللي يشيل اسمي بجد، مش اللي يوطي راسي قدام الناس ويقف يشتكي للرجالة على السلم. من النهاردة، حسابك معايا هيبقى تقيل قوي يا راوية.. استني اللي جاي!”حكايات نورهان العشري رزع الباب وخرج، وساب راوية واقعة على الأرض بتبكي بحــ,,ـــــرقة، وهي مش عارفة إن في اللحظة دي، هيام وسعاد كانوا قاعدين تحت بيضحكوا وهما بيتفرجوا على صور “العروسة الجديدة” اللي هيقهروا بيها قلبها.
**** بعد شهر من العذاب النفسي و الجحود في المعاملة، راوية كانت قاعدة في الصالة، وبناتها نايمين في حــ,,ـــــضنها، وفجأة موبايلها رن بصوت رسالة “واتساب”.. فتحت الرسالة، وكان الرقم غريب، بس المحتوى كان سكــ,,ـــــين تلمة بتدبح في قلبها. صور لمحمود لابس بدلة وفرحان، وجنبه عروسة لابسة فستان أبيض، ووراهم سعاد وهيام عمالين يزغرطوا ويرقصوا. الدم تجمد في عروق راوية، وقامت وقفت وهي مش شايفة قدامها، وطلعت تجري على السلم وخبطت على شقة حم,,اتها بهستيريا. راوية (بصراخ وزل,,زال في صوتها): “افتحي يا سعاد! افتحي يا حرباية يا اللي خربتي بيتي! بقى محمود يتجوز عليا؟ بقى دي آخرة صبري؟”
الباب اتفتح ببطء، وطلعت هيام وعلى وشها ابتسامة شم,,اتة تقرف. هيام (ببرود مستفز): “إيه يا جربوعة؟ الصور وصلت؟ مبروك عليكي الضرة يا حلوة.. أصل أخويا “راجل” ومحتاج اللي تجيب له الولد اللي يرفع راسه، مش اللي تجيب له “خيبة” تقعد تندب جنبها.” راوية (دخلت الشقة زي القطر): “فين محمود؟ خليه يواجهني! أنا عايزة أطلق! مش هقعدلكوا فيها ثانية واحدة.. أنا هطلع ألم هدومي وهدوم بناتي وغوري أنتِ وأخوكي في داهية!”
سعاد (طلعت من الأوضة بضحكة كريهة): “تلمي إيه يا روح أمك؟ أنتِ فاكرة إن ليكي حاجة هنا؟ البيت ده بيتي، والشقة اللي فوق دي شقة ابني وعروسته الجديدة، هيدخلوا فيها بكرة.” راوية (بذهول): ” يعني إيه ماليش حاجة هنا؟ وهدومي؟ ودهبي؟ ودهب البنات اللي شقيت فيه؟”حكايات نورهان العشري هيام (قربت منها وزقتها في كتفها): “دهبك؟ دهب إيه يا شحاتة؟ ده أخويا هو اللي جابه من عرق جبينه، أنتِ جيتي بشنطة مقطوعة، وهتمشي باللي عليكي بس! مفيش فتلة واحدة هتطلعي بيها من البيت ده.”
راوية (طلعت تجري لفوق): “لا.. حاجتي وحاجة بناتي مش هسيبها!” حكايات نورهان العشري لكن هيام وسعاد طلعوا وراها، وأول ما دخلت الشقة، هيام مسكتها من شعرها ورمتها على الأرض وسط صراخ البنات اللي صحيوا مفزوعين. هيام (بغل): “أنتِ بتمدي إيدك على حاجة مش بتاعتك؟ قولي لعيالك يلبسوا شباشبهم ويغوروا معاكي.. أنتِ اطلقتي يا راوية! محمود طلقك غيابي والنهاردة ليلته مع مراته الجديدة في “أوتيل”، وعملنا توكيل لمحامي يخرجك من هنا “بالقوة الجبرية” لو ما مشيتيش بالذوق.”
سعاد (وهي بتفتح الدرج وبتاخد علبة الذهب): “ودهب العيال ده هيفضل هنا.. أصلهم بنات ابني، والدهب ده هيجهزهم بيه لما ييجي وقت جوازهم غوري بقى يا جربوعة زي ما جيتي.. كفاية عليكي أوي السنين اللي عشتيها في العز ده!”راوية (وهي بتلم بناتها في حــ,,ـــــضنها والدموع مغرقة وشها): “هترمي بنات أخوكي في الشارع يا هيام؟ خربتي بيتي و س,,رقتي حالي و مالي و كمان هترمينا في الشارع ! حرام عليكوا
هيام (فتحت باب الشقة وبدأت تحدف كوتشيات البنات وراهم): “براااااا! مش عايزة أشوف وشك هنا تاني.. البيت ده نضف خلاص! روحي اشحتي في الشوارع أنتِ وبناتك، يمكن تلاقي حد يحن عليكي بلقمة.” خرجت راوية وهي حافية، شايلة بنت على كتفها وماسكة إيد التانية، والباب اترزع في وشها وهي بتسمع ضحكات هيام وسعاد اللي مالية المكان. وقفت في الشارع تحت المطر، الدنيا ضلمة في عينها، بس النــ,,ـــــار اللي في قلبها كانت كفيلة تحــ,,ـــــرق الدنيا كلها.حكايات نورهان العشري
***** مرت ست شهور، الدنيا اتقلبت فيها حال غير حال. بعد ما كانت ليها بيت لاممها هي وبناتها في حــ,,ـــــضنها، بقت شقيانة بتجري طول النهار بين الترابيزات في مطعم فخم في المعادي عشان لقمة عيش بناتها. لبسها بقى بسيط، وشها شاحب من قلة النوم، كرامتها وجعاها و جواها نــ,,ـــــار مش راضية تطفي. وفي يوم، باب المطعم اتفتح، ودخل “عمر الرافعي” مع وفد من شركته عشان يتغدوا. راوية كانت ماسكة “المنيو” وبتمسح ترابيزة جنبه، عينيها جت في عينه.. الصدمة لجمت لسان الاتنين.
عمر قام من مكانه بذهول، نسي زملاءه ونسي الغدا، ومشي ناحية راوية اللي كانت عايزة الأرض تنشق وتبلعها من كتر الخجل بزيّ الشغل. عمر (بصوت واطي ومصدوم): “راوية؟ مش ممكن! أنتِ بتعملي إيه هنا؟ وأزاي واصل بيكي الحال لكدة؟” راوية (بحرج): “أهلاً يا بشمهندس عمر.. الدنيا بتلف، وأدينا بنسعى على رزق العيال. نورت المطعم.” عمر (شد كرسي وقعد بقلب موجوع على حالها): “نورت إيه بس؟ أنا قلبت الدنيا عليكي! سألت هيام وماما سعاد قالوا لي إنك أخدتِ حقوقك كلها وسافرتي لبلدكم عند أهلك ورفضتي أي حد يوصلك.. معقولة اللي حصل ده؟”حكايات نورهان العشري
تابع الجزء التاني