جوزي قالها بمنتهى البساطة، كأنه بيقول خبر عادي خالص مالوش أي لازمة نقاش: “أمي وأبويا، وكريم وسمر جايين يوم السبت… وهيقعدوا معانا شهر كامل.” كان واقف جنب التلاجة، بيشرب رايب من العلبة على طول، وماسك الموبايل ومش باصصلي، كأنه بيتكلم عن الجو مش عن قرار هيقلب حياتنا. كنت شايلة طبق في إيدي. حطيته على الترابيزة بالراحة، وقلت وانا مستغربة: “شهر كامل؟” ابتسم من غير ما يرفع عينه من الموبايل: “أيوه. أبويا عنده إجازة، وأمي نفسها تزورنا من زمان، وكريم جاي مع سمر… هنقضي وقت حلو سوا… مش كده؟”
بصيتله وقلت: “حلو؟” إحنا متجوزين بقالنا سبع سنين، وخلال السبع سنين دول، أهله جم عندنا أربع مرات… وكل مرة كانوا بيقعدوا أكتر من اللازم، ومن غير ما نتفق بجد. حكايات رومانى مكرم أنا بشتغل من البيت محاسبة، وعندي أوضة صغيرة قوي، يمكن 8 متر بالعافية، عاملاها مكتب. كل حاجة فيها مترتبة بالملي، عشان شقتنا أصلاً على قدها—أوضتين وصالة. بصيتله بهدوء وقلت: “يا محمود… إحنا اتنين بس في الشقة دي. هنحط أربع أشخاص فين شهر كامل؟”
رد ببساطة كأن الموضوع سهل: “ماما وبابا على الكنبة، وكريم وسمر في أوضتك، ونشتري مرتبة هوائية.” سألته وأنا حاسة بصداع بيبدأ: “وأنا؟ هشتغل فين؟” قال وهو لسه مركز في الموبايل: “على ترابيزة المطبخ… أو في أوضة النوم، ما انتي معاكي لابتوب.” في اللحظة دي حسيت بحاجة جوايا بتتكسر بهدوء… من غير صوت. ما سألنيش. ما خدش رأيي. ما اعتبرش إني شريكة في البيت أصلاً. هو بس… بلغني. كأن الشقة شقته لوحده… وأنا مجرد زيادة. قلت بهدوء متماسك بالعافية:
“على الأقل كان لازم تسألني.” رد ببرود: “دول أهلي… مش ناس غريبة.” بس برضه… مش أهلي أنا. ومن هنا بدأت الحكاية. وصول الضيوف #الكاتب_رومانى_مكرم جم يوم السبت، أربعة داخلين بشنط كتير وأكياس أكل، كأنهم جايين يقعدوا موسم مش زيارة. حماتي دخلت أول واحدة، وعينيها بتلف في الشقة من فوق لتحت، وبعدين قالت على طول: “الشقة دي ضيقة قوي… والفرش قديم كمان.” ## الجزء الثاني: احتلال ناعم
مرّت الساعات الأولى وكأنها سنين. الشقة التي كانت ملاذي الهادئ تحولت في لحظة إلى “موقف أتوبيس”. الشنط تراكمت في الصالة، والروائح اختلطت، وصوت التلفزيون الذي رفعه حماي لأقصى درجة ليسمع الأخبار جعل رأسي ينبض بالألم. حاولت أحافظ على هدوئي وأنا بشوف سمر، مرات كريم أخو محمود، وهي داخلة “مكتبي” الصغير بكل أريحية، وبدأت تحط مكياجها وبرفاناتها على المكتب فوق ملفات شغلي المهمة. بصيت لمحمود كان بيضحك مع أخوه ولا كأن في حاجة غلط. في المطبخ، بدأت المعركة الحقيقية. حماتي وقفت ورايا وأنا بحضر الغدا، وبدأت تفتح الحلل وتبص في التلاجة:
“إيه ده يا بنتي؟ إنتي بتطبخي بسمنة عادية؟ محمود متعود على السمنة البلدي… وبعدين الملح قليل قوي، الأكل ملوش طعم كده.” كنت بضغط على سناني عشان ما أردش، وقلت في سري: **”محمود اللي متعود ده كان ممكن يشتري سمنة بلدي لو عايز.”** بالليل، بدأت خطة “المرتبة الهوائية” اللي محمود قال عليها. الصالة اتمت بمراتب ولحفة، وبقى التحرك من أوضة النوم للحمام محتاج مهارات قفز حواجز. محمود نام في ثواني، وأنا فضلت صاحية بصة للسقف، سامعة شخير حماي من الصالة، وصوت همس كريم وسمر في أوضتي (اللي بقت أوضتهم).
تاني يوم الصبح، صحيت على صوت خبط ورزع. حماتي قررت إن “المطبخ مش مترتب” وقررت تعيد ترتيبه من أول وجديد. طلعت كل المواعين على الأرض، وبدأت تنادي عليا: “تعالي يا فلانة، شوفي الكراكيب دي، ارمي ده وحطي ده هنا.” وقفت مذهولة، شغلي المتراكم كان مستنيني، واللابتوب بتاعي كان محشور وسط أكياس الخضار على ترابيزة المطبخ. فتحت اللابتوب عشان ألحق أخلص ميزانية لشركة، لقيت سمر داخلة المطبخ ببرود: “معلش يا حبيبتي، ممكن بس أقلي بيضتين؟ أصل مالحقتش أفطر مع الجماعة.”
بصيت لمحمود اللي كان خارج يشتري عيش، قلتله بصوت واطي ومنفعل: “محمود، أنا مش عارفة أركز، الشغل هيضيع مني، ومامتك قلبت المطبخ.” رد عليا بابتسامة باردة وهو بيلبس جزمته: “كبري دماغك يا حبيبتي، دي ست بركة، وبعدين سمر ضيفة، ساعديها وخليكي كريمة… كلها شهر ويعدي.” الكلمة نزلت عليا زي التلج. “كلها شهر”. في اليوم الرابع، حصلت القشة اللي قطمت ضهر البعير. رجعت من مشوار سريع بشتري فيه طلبات للبيت (بفلوسي أنا طبعاً لأن محمود قال المصاريف كترت)، دخلت لقيت حماي قاعد في الصالة، وماسك ورق من مكتبي كان محطوط في “دوسيه” مقفول.
كان بيقرأ فيه بتركيز، ولما شافني قال ببساطة: “يا بنتي الأرقام دي فيها غلط، أنا كنت محاسب زمان وعارف، إنتي ليه حاسبة الضرايب بالطريقة دي؟” في اللحظة دي، حسيت بنار بتغلي في عروقي. دي أسرار شغل، دي خصوصية، دي حياتي اللي استباحوها في أقل من أسبوع. سحبت الورق من إيده بهدوء مرعب، ودخلت الأوضة، وقفلت الباب ورايا… وطلعت الموبايل. ما كلمتش محمود. كلمت صاحبتي “نهى” اللي عندها مكتب عقارات، وقلت لها جملة واحدة: **”نهى، محتاجة أجر أصغر استوديو مفروش عندك لمدة شهر… فوراً.”**
بدأت ألم لابتوبي، وأهم هدومي، وأوراقي في شنطة واحدة. وخرجت للصالة والكل باصصلي باستغراب. محمود سألني وهو بياكل فاكهة: “على فين يا هانم؟ وسايبة البيت يض.رب يقلب كده؟” بصيتله وبصيت لأهله اللي كأنهم ملكوا الشقة، وقلت بابتسامة أبرد من بتاعته: “بما إن الشقة بقت زحمة، وأنا “زيادة” زي ما حسستني… أنا قررت أوفر لكم مكاني. الشقة ليكم يا محمود… بالشفا.” وفتحت الباب وخرجت، وسيبت ورايا ذهول وصمت، ومحمود بينادي ورايا بصوت بدأ فيه الخوف لأول مرة.
## الجزء الرابع: السقوط من البرج العاجي مر أسبوع كامل وأنا في الاستوديو. في البداية كنت حاسة براحة، بس مع الوقت بدأ يوصلي أخبار “المعركة” اللي بتحصل في شقتي من نهى ومن جارتي وصاحبتي “هبة”. هبة كلمتني وهي بتضحك وقالت لي: “نيرمين، إنتي مش متخيلة اللي بيحصل! أنا سامعة صوت زعيق حماتك واصل لعندي. باين سمر ومحمود اتخانقوا خناقة للرب السماء عشان هي رفضت تغسل المواعين وقالت له أنا ضيفة مش جاية أخدم، وحماتك قاعدة تولع نار بينهم وتدعي عليكي إنك ‘خربتي البيت’.”
كنت بسمع وأنا جوايا وجع، بس فيه قوة غريبة بدأت تتولد. في اليوم العاشر، لقيت الباب بيخبط بخبطات متوترة. فتحت لقيت محمود. شكله كان يصعب على الكافر. دقنه طويلة، قميصه مكرمش، وتحت عينيه سواد من قلة النوم. بص لي بكسرة وقال: “ممكن أدخل؟” دخل وقعد على طرف الكنبة، وبدأ يتكلم بصوت واطي: “البيت جحيم يا نيرمين. أمي مش عاجبها حاجة، وكريم وسمر بيتخانقوا ليل نهار على مين اللي يدخل الحمام الأول، وأبويا طول الوقت مشغل التلفزيون بصوت عالي وجايب صحابه القدام يقعدوا معاه في الصالة.. أنا مش عارف أنام، ولا عارف أروح شغلي مركز.”
بصيت له ببرود وقلت: “ومين اللي بيطبخ؟” نفخ بضيق: “أمي طبخت أول يومين وبعدين تعبت، ودلوقتي بنشتري أكل من بره، والميزانية اتخرمت. سمر طول النهار ماسكة الموبايل وما بتمدش إيدها في حاجة.. الشقة بقت ريحتها طبيخ وزحمة، والمكتب بتاعك… سمر قلبت فيه علبة بودرة بوظت السجادة.” قمت وقفت وقلتله: “وجاي لي ليه يا محمود؟ ما إنت قلت ‘كلها شهر ويعدي’.. استمتع بالوقت الحلو اللي كنت بتوعدني بيه.” مسك إيدي وقال بندم حقيقي:
“أنا غلطت. ما كنتش متخيل إن وجودك هو اللي كان موازن الدنيا. كنت فاكر إنك بتبالغي، بس اكتشفت إنك كنتِ شايلة جبل فوق كتافك وأنا كنت بتمشى جنبه. نيرمين.. أمي بتقول لو مارجعتيش بكرة، هتخلي كريم وسمر يمشوا وهي كمان هتمشي بس وهي غضبانة عليا.. أنا مش عايز أخسر أهلي، ولا عايز أخسرك.” قلت له بوضوح: “أهلك مش هيخسروك لو حطيت حدود. الرجولة إنك تحمي بيتك وخصوصية مراتك، مش إنك تفتح الباب لكل اللي عايز يدخل ويدوس علينا. أنا هرجع يا محمود.. بس بشرط.”
رفع عينه بلهفة: “أي شرط، موافق.” طلعت ورقة وقلم وحطيتها قدامه: “الشرط مش كلام، الشرط فعل. هتكلمهم دلوقتي قدامي، وتقولهم إن الزيارة هتنتهي يوم الجمعة الجاية. وإن من هنا ليوم الجمعة، سمر مسؤولة عن تنظيف أوضتك اللي هي محتلاها، وأي مصاريف زيادة إنت اللي هتدفعها من جيبك الخاص مش من ميزانية البيت، والأهم.. تعتذر لي قدامهم عن إنك أخدت قرار بخص بيت تملكه شريكة حياتك من غير علمها.” محمود سكت، وشفت الصراع في عينيه. كان خايف من أمه، بس كان مرعوب من فكرة إنه يكمل الشهر ده لوحده وسط المعمعة دي.
مسك الموبايل بإيد بترتعش، وفتح “الاسبيكر” واتصل بأمه. أول ما ردت، بدأت تشتكي: “إنت فين يا محمود؟ تعال شوف مرات أخوك اللي مش عايزة تقوم تعمل كوباية شاي، والبيت بقى زبالة..” محمود قاطعها بصوت قوي لأول مرة: “يا أمي، نيرمين راجعة البيت بكرة. بس أنا حبيت أقولكم إننا يوم الجمعة هنوصلكم كلكم للمحطة، عشان نيرمين عندها ضغط شغل ومحتاجة الشقة هدوء، وأنا كمان محتاج أرتاح عشان شغلي.” الصمت اللي حصل في المكالمة كان كفيل بتهديم جبال. وفجأة، انفجر صوت حماتي بالصراخ:
“بقى بتطردنا عشان خاطرها؟ بعت أهلك يا محمود؟” بص لي محمود وهو مستني ردي، فشاورت له يكمل بشجاعة. قال محمود: “ما عاش اللي يطردكم يا أمي، ده بيتكم في أي وقت.. بس بالاتفاق، ولفترة معقولة. إحنا شقتنا ضيقة وإنتوا تعبتوا من القعدة هنا. يوم الجمعة ميعادنا.” قفل السكة وهو بيترعش، وبص لي وقال: