منوعات

حكايات رومانى مكرم

“كده ارتحتي؟ أنا حاسس إني بعت قضيتي.” قلت له وأنا بلم شنطتي: “بالعكس.. إنت لسه شاري بيتك حالاً يا محمود. بكرة الصبح هنرجع سوا، ونشوف الـ ٤٨ ساعة اللي فاضلين دول هيعدوا إزاي.” رجعت البيت الصبح، والجو كان مشحون بكهربا تكفي تنور مدينة كاملة. حماتي ما بصتليش، وسمر كانت بتنفخ بضيق وهي بتلم مكياجها. لكن الصدمة الحقيقية كانت في اليوم الأخير.. لما حماي طلب يكلمني لوحدي قبل ما يمشوا. ## الجزء الخامس والأخير: دستور البيت الجديد

قبل ما ينزلوا بساعتين، والشنط محطوطة جنب الباب، حماي نادى عليا ودخلنا “مكتبي” الصغير. قعد على الكرسي وبص لي بهدوء، وكنت مستعدة لـ “علقة” كلامية أو عتاب طويل، لكنه فاجئني وقال: “يا نيرمين، أنا عارف إنك كنتِ صاحبة حق. إحنا جيلنا بيعتبر إن بيت الابن هو بيت العيلة الكبير، بس الدنيا اتغيرت والشقق صغرت والحياة بقت صعبة. أنا اللي أصريت نقعد شهر عشان كنت عايز ألم العيلة، بس اكتشفت إني كنت بكسر بيتك من غير ما أحس.”

بصيت له بدهشة، فكمل كلامه: “محمود ابني طيب، بس كان محتاج اللي يفوّقه. خروجك من البيت كان “قلم” فاقه لنفسه ولبيته. كملي في طريقتك، بس حني على أم محمود.. هي طيبة بس لسانها سابق تفكيرها.” خرجنا للصالة، وحماتي كانت واقفة وشها في الأرض. قربت منها وبوست راسها، وقلت لها: “يا ماما، البيت بيتك في أي وقت، بس أنا شغلي هنا وحياتي هنا، وإنتي غالية عندي وعايزة لما تيجي نكون كلنا مرتاحين ومبسوطين.” هزت راسها من غير ما تتكلم، بس شفت في عينيها نظرة احترام لأول مرة.. نظرة للست اللي عرفت تحمي مملكتها.

**بعد ما مشيوا..** الشقة كانت محتاجة تنظيف عميق عشان ترجع زي ما كانت. محمود شمر دراعاته وبدأ يشيل معايا المراتب ويمسح الأرض. كان بيشتغل وهو ساكت، وبعد فترة قعد على الأرض وقال بتعب: “أنا آسف يا نيرمين. مش بس عشان جيبتهم، لكن عشان ما قدرتش تعبك في البيت وفي شغلك. أنا كنت فاكر إن وجودك ‘تحصيل حاصل’، بس لما سيبتي البيت، اكتشفت إني مكنتش عارف أعيش يوم واحد من غيرك.” ابتسمت له وقلت:

“محمود، أنا مش عايزة اعتذار، أنا عايزة ‘دستور’. البيت ده له اتنين بس اللي بيقرروا فيه، أنا وإنت. وأي ضيف ييجي، أهلك أو أهلي، لازم يكون بالاتفاق على الموعد والمدة، عشان نفضل نحبهم ونفضل نستقبلهم بابتسامة.” **النهاردة..** فات سنة على الحكاية دي. أهله بقوا بييجوا زيارات قصيرة، يومين أو تلاتة بالكتير، وبقينا بنقضي معاهم وقت فعلاً “حلو” لأن مفيش ضغط ولا زحمة.

مكتبي لسه 8 متر، بس محمود وسعه شوية بذكاء، وبقى هو اللي بيقف يمنع أي حد يدخل الأوضة دي وأنا بشتغل. اتعلمنا إن “الحدود” مش معناها قلة أصل، بالعكس، دي أكتر حاجة بتحافظ على الود وبتخلي البيوت قايمة على الاحترام. **تمت.**

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى