منى بصت لي بصدمة، وقالت: “أنا صاحبة البيت… وأنا حرة!”
قربت خطوة، وقلبي بيدق بس مش خوف… غ*ضب… وقلت: “وصاحبة البيت تذل طفلة عندها خمس سنين؟! دي مش حرية… دي قسوة.”
في اللحظة دي، جوزي دخل المطبخ على صوتنا، وبص حوالينا بتوتر: “في إيه؟”
بصيت له… وكانت دي اللحظة الفاصلة… يا إما يسكت زي كل مرة… يا إما يقف.
قلت له وأنا ماسكة إيد ليلى: “اسأل أختك عملت إيه في بنتك.”
منى سبقتني وقالت بسرعة: “بنتها قليلة الأدب وبتعيط وبتبوظ لعب العيال، وأنا بس قلت لها تقعد على جنب.”
جوزي بص لليلى… وشاف دموعها… وشفايفها اللي لسه بترتعش… وسكت لحظة… اللحظة دي كانت أطول من أي حاجة.
بعدين قال بهدوء غريب: “مين قال إن ليلى تقعد لوحدها؟”
منى اتوترت وقالت: “أنا!”
ساعتها، جوزي قال الجملة اللي غيرت كل حاجة:
“يبقى انتي غلطانة.”
أنا اتصدمت… مش متعودة عليه بالشكل ده… ومنى كمان.
قالت بعصبية: “انت بتقف ضدي علشانها؟!”
رد عليها من غير ما يعلي صوته: “أنا واقف مع بنتي.”
الكلمة دي… خلت ليلى تمسك في إيده أكتر… كأنها أخيرًا لقت أمان.
منى بدأت تعلي صوتها: “دي مش بنتك أصلاً—”
وقبل ما تكمل… جوزي قال بحزم: “كلمة كمان وهسيب البيت ده حالًا.”
الصمت وقع… تقيل.
أنا حسيت إني لأول مرة مش لوحدي.
مسكت إيد ليلى وإيد جوزي وقلت: “يلا نمشي.”
منى حاولت تتكلم، يمكن تحافظ على شكلها قدام الناس، بس إحنا خرجنا من المطبخ، والكل كان باصص… عيون بتسأل… عيون مستغربة.
وقبل ما نخرج، وقفت لحظة… وبصيت لكل الأطفال اللي بيلعبوا، وبصيت لبنتي… وقلت بصوت واضح: “مفيش طفل يتمنع من اللعب… ومفيش حد له الحق يكسّر قلب طفل.”
ومشينا.
في العربية، ليلى كانت ساكتة… بس ماسكة التورتة اللي خدناها معاها من غير ما حد ياخدها منها تاني.
بعد شوية، قالت بصوت صغير: “ماما… أنا وحشة؟”
قلبي اتقبض… ولفيت لها وقلت: “لا يا حبيبتي… انتي أحلى وأطيب بنت في الدنيا… واللي يزعلك يبقى هو الغلطان مش انتي.”
جوزي بص لي من المراية… نظرة فيها امتنان… يمكن لأنه هو كمان اتعلم درس في اللحظة دي.
الأيام عدت… ومنى حاولت تكلمنا كذا مرة… في الأول علشان تبرر… بعدين علشان تصلح.
بس أنا كنت محتاجة وقت… مش علشانها… علشان ليلى.
في يوم، كنا قاعدين بنرسم سوا، ليلى بصت لي وقالت فجأة: “أنا مش عايزة أروح عند عمتو تاني.”
ما ضغطتش عليها… قلت لها: “براحتك… وإحنا دايمًا مع بعض.”
عدّى أسبوعين… لحد ما جوزي قال لي: “منى عايزة تعتذر… قدام ليلى.”
بصيت له… وقلت: “لو الاعتذار علشان ترجع العلاقة زي الأول… يبقى ملوش لازمة…
لكن لو علشان تصلّح اللي اتكسر… يبقى نخلي ليلى تقرر.”
وفعلاً… منى جت.
قعدت قدام ليلى… مش قدامنا… وده كان أول فرق.
وقالت بصوت واطي: “أنا آسفة يا ليلى… أنا غلطت… وزعلتك.”
ليلى بصت لها شوية… وسكتت… وبعدين قالت: “أنا كنت عايزة بس ألعب.”
منى دموعها نزلت… يمكن لأول مرة تفهم إن الموضوع عمره ما كان كبير… بس وجعه كبير.
ليلى قربت منها… وقالت: “بس متزعقيش تاني.”
منى هزت راسها… وقالت: “مش هزعلِك تاني.”
وأنا واقفة… بتفرج… فهمت حاجة مهمة جدًا…
إن أكبر حاجة ممكن نعملها لأولادنا…
مش إننا نحميهم من كل حاجة… لكن إننا نقف جنبهم لما الدنيا تيجي عليهم.
ومن اليوم ده… ليلى بقت أقوى… مش لأنها اتعرضت لموقف وحش… لكن لأنها عرفت إن ليها صوت… وإن في حد دايمًا هيسمعه.
#رب_اوزعني_ان اشكر نعمتك التي انعمت علي وعلي والدي وان اعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي اني تبت إليك واني من المسلمين
حكـايات أسمـا السيـد
مرت الأيام بعد الموقف ده… بس الحقيقة إن اللي حصل ماعدّاش بسهولة زي ما كنت فاكرة… لأن الجروح اللي بتكون في نفس طفل صغير، حتى لو شكلها بسيط، بتفضل جواه وبتبان في تفاصيل صغيرة جدًا…
في نظرة… في سؤال… في خوف.
ليلى بقت هادية أكتر من الأول… مش الهدوء الطبيعي بتاع طفل تعب من اللعب… لا… هدوء فيه حذر… بقت لما تروح أي مكان جديد تمسك في إيدي جامد… تبص حواليها الأول قبل ما تضحك… كأنها بتسأل نفسها: “هو هنا آمن؟”
في مرة كنا في النادي… مجموعة أطفال بيلعبوا… واحدة من الأمهات نادت على بنتها وقالت لها بصوت عالي: “خلي بالك من لعبك، ما تديهوش لحد يبوظه.”
ليلى وقفت مكانها… وبصت لي… نفس النظرة… نفس الخوف القديم.
ركعت جنبها وقلت: “روحي العبي يا ليلى.”
قالت لي بصوت واطي:
“هما مش عايزيني ألعب معاهم.”
ح*ضنتها وقلت: “اللي مش عايزك، هو اللي خسران… مش انتي.”
بس جوايا… كنت عارفة إن الكلام لوحده مش كفاية… وإن الثقة اللي اتكسرت محتاجة وقت… ومواقف كتير علشان ترجع.
في الليلة دي، وأنا قاعدة لوحدي، افتكرت كل مرة سكت فيها قبل كده… كل مرة قلت “عديها علشان العيلة”… كل مرة فضلت السلام على الحق… وفهمت إن السكوت ساعات بيبقى مشاركة في الغلط… حتى لو من غير قصد.
جوزي كان متغير هو كمان… بقى أقرب لليلى… يقعد معاها أكتر… يلعب… يحكي… كأنه بيحاول يعوض كل لحظة ماكانش فيها حاضر.
في يوم، رجع من الشغل ومعاه علبة صغيرة… فتحها قدام ليلى… كانت فيها لعبة نطاطة صغيرة ملونة.
قال لها وهو بيبتسم: “دي نطاطة خاصة بيكي… محدش يقولك تدخلي ولا لأ… انتي اللي تقرري.”
ليلى ضحكت… الضحكة اللي كنت مستنياها ترجع من يوم الحفلة… وبدأت تنط وتلف حوالين نفسها… لأول مرة من وقت طويل.
بس المفاجأة كانت بعدها.
قالت له فجأة: “بابا… ممكن نجيب نطاطة كبيرة ونخلي كل العيال تلعب فيها؟”
بص لها… وابتسم… وقال: “أكيد.”
وبالفعل… بعد أسبوع… جوزي عمل حاجة أنا ماكنتش متوقعاها… استأجر نطاطة كبيرة وحطها في جنينة النادي، وعزم كل أطفال العيلة…
وحتى الجيران.
أنا كنت متوترة… مش عارفة رد فعل منى هيكون إيه… خصوصًا إنها كانت موجودة.
الأطفال بدأوا يجروا ويلعبوا… أصوات ضحكهم مليت المكان… وليلى واقفة في النص… مش خايفة… مش مترددة… بتضحك وتشد الأطفال معاها.
وفجأة… شفت منى واقفة بعيد… بتبص.
كانت ساكتة… مفيش تعالي… مفيش حدة… بس نظرة فيها حاجة اتغيرت.
قربت مني وقالت بهدوء: “أنا ماكنتش فاهمة… كنت فاكرة إن السيطرة هي اللي بتخلي الأمور ماشية… بس طلع العكس.”
بصيت لها… وقلت: “الأطفال مش محتاجين سيطرة… محتاجين أمان.”
هزت راسها… وسكتت.
بعد شوية… حصل موقف صغير… بس كان معناه كبير.
طفل وقع وهو بيلعب… وبدأ يعيط… منى كانت أقرب حد ليه… اترددت لحظة… وبعدين قربت… قعدت على ركبتها وقالت له: “تعالى… حصل إيه؟”
مسحت له دموعه… وساعدته يقف… من غير زعيق… من غير ما تقول “بلاش عياط”.
بصيت للمشهد… وحسيت إن يمكن… في أمل.
اليوم خلص… والناس مشيت… وليلى كانت تعبانة من اللعب… بس سعيدة… سعادة حقيقية.
قبل ما تنام، قالت لي: “ماما… أنا النهارده ماعيطتش.”
ابتسمت… وقلت لها: “علشان انتي قوية.”
هزت راسها وقالت: “لا… علشان محدش زعقلي.”
الكلمة دي… كانت درس تاني.
في الأيام اللي بعدها… علاقتنا مع منى بقت أهدى…
مش زي الأول… بس فيها احترام… حدود واضحة.
أنا ماعدتش بسامح علشان “نمشي الدنيا”… بقيت بسامح لما يكون في اعتراف حقيقي بالغلط.
وفي مرة، منى طلبت من ليلى تيجي عندها تاني… المرة دي، القرار كان لليلى.
سألتها: “تحبي تروحي؟”
فكرت شوية… وبعدين قالت: “هروح… بس لو زعلتني… همشي.”
ابتسمت… وقلت لها: “وده حقك.”
اليوم ده… كنت متوترة أكتر منها… بس لما رجعت… كانت مبتسمة.
قالت لي: “عمتو منى خلتني أختار اللعبة اللي نلعبها.”
قلت لها: “وانتي اخترتي إيه؟”
ضحكت وقالت: “النطاطة!”
ضحكنا سوا… ضحكة فيها راحة… فيها بداية جديدة.
عدّى وقت… ويمكن القصة دي بالنسبة لناس كتير تبان بسيطة… “خناقة عائلية وعدّت”… لكن بالنسبة لي… كانت نقطة تحول.
اتعلمت فيها إن كرامة الطفل مش أقل من كرامة الكبير… وإن كلمة صغيرة ممكن تسيب جرح كبير… وإن دورنا كأهل مش بس نأكل ونشرب ونربي… لكن نحمي… نسمع… ونقف.
وفي يوم، وأنا بجهز ليلى للنوم… سألتني: “ماما… لو حد زعقلي تاني… أعمل إيه؟”
بصيت لها… وقلت: “قولي له: أنا مش بحب كده… ولو كمل… تعالي قوليلي… وأنا هكون جنبك.”
ابتسمت… وغمضت عينيها… ونامت.
وأنا قعدت جنبها شوية… ببص على ملامحها الهادية… وفكرت…
قد إيه إحنا ممكن نكون سبب في أمان طفل… أو في خوفه… من غير ما ناخد بالنا.
ومن ساعتها… بقيت دايمًا أفتكر اللحظة اللي وقفت فيها في المطبخ… اللحظة اللي قررت فيها إني ما اسكتش… اللحظة اللي اخترت فيها بنتي.
لأن في الآخر… مفيش حاجة في الدنيا تستاهل إن طفل يحس إنه أقل… أو مش مرغوب فيه.
وبقيت أقول لنفسي كل يوم… قبل ما أنام…
“أنا مسؤولة عن قلب صغير… ولازم أحافظ عليه.”
#رب_اوزعني_ان اشكر نعمتك التي انعمت علي وعلي والدي وان اعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي اني تبت إليك واني من المسلمين