الخبطة اللي كانت “نيمو” مجهزاهالي كانت برة حسابات العيلة خالص، لأنها كانت عارفة حاجة محدش فيهم يعرفها.. “نيمو” كانت شغالة سكرتيرة في الشركة اللي كنت بتعامل معاها في شغلي ككاتبة ومحتوى رقمي، وقدرت توصل لملفات تخص عقود قديمة لي، وسربت إني كنت بستخدم “أرباح العيلة” وممتلكات بابا من غير علمه عشان أكبر شغلي الخاص في بداياتي.
وقفت نيمو في وسط الشارع قدام المحل وبابا وماما موجودين، وصرخت بصوت عالي وهي ماسكة ورق في إيدها: “إنتوا فاكرين إنجي دي الملاك المنقذ؟ إنجي دي هي اللي سحبت ميزانية المحل من سنين عشان تفتح شركتها، وهي اللي خلت باباكي يمدي على تنازل عن نصيبه في الأرباح وإنتوا مش فاهمين، يعني هي بتديكم دلوقتي من مالكم!” بابا بص لي وعينه فيها تساؤل مرعب، وماما بدأت تشك تاني وقالت بصوت مهزوز: “الكلام ده صح يا إنجي؟ إنتِ كنتِ بتستغلينا وإحنا مش عارفين؟”
صافي ضحكت بمرارة وقالت: “أهو.. طلعتي زينا يا ست إنجي، كلنا بنمثل على بعض عشان المنظرة والفلوس، بس إنتِ كنتِ أذكى ومثلتِ دور الضحية.” وقفت بكل ثبات، وبصيت لنيمو اللي كانت فاكرة إنها كسرتني، وقلت لها: “الورق اللي في إيدك ده يا نيمو، هو فعلاً عقود، بس يا ريت كنتِ قريتيها للأخر.. الورق ده بيثبت إني من 5 سنين كنت بشتري ديون المحل اللي بابا كان غرقان فيها من غير ما يعرف، وكنت بحول الأرباح لحساب توفير باسم ‘صافي’ عشان لما تتجوز متتذلش لحد.. بس للأسف، صافي هي اللي ذلت نفسها.”
طلعت من شنطتي “دفتر توفير” وحذفته في حجر صافي، وقلت لها: “ده الحساب اللي كنت بحوشلك فيه من تعبي وشغلي، بس بما إنك قُلتي إني ‘خيبة العيلة’ وتراقبكم ببرود، فالحساب ده هيتصفى الصبح ويرجع لحساب شركتي.. حق مجهودي اللي ضاع في واحدة متستهلش.” نيمو اتصدمت، وبابا خبط راسه بإيده وهو مش مصدق إنه ظلمني مرتين، مرة لما صدق إني “خيبة”، ومرة لما شك في أمانتي.
في اللحظة دي، عربية سوداء وقفت قدام المحل، ونزل منها شخص مكنش حد يتوقع يشوفه في الظروف دي.. “مؤمن” العريس! بس المرة دي مكنش جاي لوحده، كان معاه محامي كبير، وبص لنيمو وقال: “كل اللي بعتيهولي من ورق وتسجيلات يا نيمو عشان تبتزي إنجي وتسحبي منها فلوس، بقى في إيد المحامي.. إنجي مش بس دفعت ديون أهلها، دي كشفتك قدامي يا زبالة.” بص لي مؤمن وقال بنبرة فيها ندم: “إنجي، أنا عارف إني غلطت في حقك وفي حق عيلتك، بس أنا اكتشفت إن نيمو كانت بتهددني أنا كمان بيكي.. أنا مستعد أصلح كل حاجة.”
قلت له بكلمة واحدة: “تصلح إيه؟ الجوازة انتهت، والثقة انعدمت، والبيت ده ملوش غير صاحب واحد من اليوم ورايح.. أنا.” لكن وإحنا في قمة المواجهة، بابا وقع من طوله فجأة.. الصدمات كانت أكبر من قلبه. وإحنا بنجري عليه، نيمو استغلت الزحمة وسحبت شنطة صافي اللي كان فيها “دفتر التوفير” وجريت، بس وهي بتجري، كانت في عربية تانية مستنياها، والمفاجأة إن اللي كان سايق العربية دي هو الشخص اللي إنجي كانت “مخبياه” عن الكل.. الشخص اللي إنجي كانت بتخطط تهرب معاه من جحيم العيلة دي كلها!
#الكاتب_رومانى_مكرم الشخص اللي كان سايق العربية ومستني “نيمو” مكنش مجرد شريك، ده كان “ياسين”، المحامي الشاب اللي كان ماسك كل ملفات شغلي، والوحيد اللي كنت مأمنة له على أسراري المالية وتحركاتي. الصدمة لجمتني وأنا شايفة نيمو بتركب جنبه وبيطيروا بالعربية، في الوقت اللي كان بابا فيه بين الحياة والمو.ت. نقلنا بابا المستشفى، والدكاترة قالوا “جلطة في القلب” نتيجة انفعال شديد. ماما كانت قاعدة على الأرض بتلطم وصافي مذهولة، وأنا كنت واقفة في طرقة المستشفى، عقلي مش قادر يستوعب إن “ياسين” – اللي كان بيسمع وجعي من عيلتي وسندني في بناء شغلي – هو نفسه اللي بيخونني مع أكتر واحدة آذتني.
تليفوني رن برقم ياسين، رديت وأنا إيدي بتترعش من الغل، لقيته بيقولي ببرود: “إنجي.. مكنتش عاوزة الأمور توصل لكده، بس إنتِ اللي كنتِ قافلة إيدك قوي وشايفانا مجرد أدوات في نجاحك. نيمو غلبانة، وإنتِ عندك كتير، ودفتر التوفير ده مجرد ‘تعويض’ عن تعبي معاكي السنين اللي فاتت.” رديت عليه وصوتي طالع بالعافية: “التعويض ده تمنه غالي قوي يا ياسين، لأن الدفتر اللي سرقتوه ده ملوش قيمة من غير توقيعي الشخصي في البنك، والفلوس اللي فيه اتجمدت من اللحظة اللي نيمو شالت فيها الشنطة.. أنا كنت متوقعة الغدر، بس مكنتش متخيلة إنه يجي منك إنت.”
قفلت السكة وأنا حاسة إن الدنيا بتلف بيا. دخلت لماما وصافي وقلت لهم بلهجة حاسمة: “بابا تعبان بسببنا كلنا، بسبب طمعكم وبسبب ثقتي الغبية في الناس. من اللحظة دي، مفيش كلام، مفيش عياط.. ياسين ونيمو لازم يدفعوا التمن، بس بطريقتي.” استخدمت علاقاتي في الوسط الرقمي، وفي أقل من ساعة، كانت صور نيمو وياسين وعربيتهم “تريند” على كل الجروبات تحت عنوان “نصابين العقود والمشاريع الوهمية”. ياسين كان بيبني مستقبله كـ “محامي مشهور”، والفضحه دي كانت كفيلة تنهي حياته المهنية قبل ما تبدأ.
في وسط المعمعة دي، صافي قامت وقربت مني، وشها كان فيه نظرة أول مرة أشوفها.. نظرة “وعي”. قالت لي: “إنجي.. أنا عارفة إني كنت أنانية، بس نيمو وياسين في مكان أنا عارفاه، مكان ياسين كان بياخدني فيه عشان يقنعني أمضي بابا على ورق التنازل من وراكي.. هما هناك دلوقتي بيحاولوا يهربوا الفلوس.” بصيت لصافي وقلت لها: “لو ساعدتيني نرجع حقنا، هعتبر إن دي أول خطوة في طريقك عشان تبقي بني آدمة.”
روحنا للمكان، كان مخزن قديم على أطراف المدينة. وبدل ما نكلم الشرطة، طلبت من “مؤمن” – اللي كان لسه بيحاول يصحح غلطه – يجي ومعاه “رجالة” من المنطقة. حاصرنا المكان، ودخلت عليهم وأنا شايفة الرعب في عين ياسين ونيمو وهما بيحاولوا يفتحوا “الخزنة” اللي في المخزن. قلت لياسين بابتسامة مرعبة: “الخزنة دي مابتفتحش بفلوس يا متر، دي بتفتح بكلمة سر عندي أنا.. بس المفاجأة مش هنا، المفاجأة إن مؤمن سجل كل اللي قولتوه وإنتوا بتهددوه من شوية.”
ياسين حاول يهجم عليا، بس مؤمن ورجالته كانوا أسرع. وفي اللحظة اللي البوليس وصل فيها للمكان بناءً على بلاغي، اكتشفنا حاجة جوه المخزن ده خلت صافي تصرخ من الرعب.. كان في “شنطة” تانية مفتوحة، فيها صور لبابا وهو بيمضي على أوراق تانية خالص، أوراق تثبت إن البيت اللي إحنا ساكنين فيه متباع لشخص “مجهول” من سنة كاملة! يعني إحنا كلنا، بما فينا أنا، كنا بنحارب على بيت مابقاش ملكنا أصلاً! #الكاتب_رومانى_مكرم
الصدمة كانت أكبر من احتمال أي حد، الورق اللي كان في الشنطة بيقول إن البيت متباع لشركة استثمار عقاري من سنة، والمشتري “المجهول” ده كان مستني لحظة معينة عشان يظهر. ياسين وهو بيتمسك من البوليس صرخ بضحكة هستيرية: “فاكرة إنك كسبتي يا إنجي؟ البيت ده طار منكم كلكم، وباباكي قبض تمنه من زمان عشان يغطي مصاريف ‘صافي’ اللي مابتخلصش، والشخص اللي اشترى هو اللي كان بيمول نيمو عشان توقعكم في بعض وتسهل عملية الاستلام!” خرجنا من المخزن والدنيا بتدور بينا، صافي كانت بتبكي وبتخبط على صدرها: “يعني إحنا بقينا في الشارع؟ بابا باع بيتنا عشان منظرتي الكدابة؟”
ماما انهارت تماماً، وأنا كنت بحاول أتمسك بالثبات اللي فاضل فيا. رجعنا المستشفى، ولقينا بابا بدأ يفوق، بس أول ما شافنا، عينه كانت مليانة دموع ورفض ينطق بكلمة واحدة، كأنه مكسوف من “السر” اللي كان مخبيه حتى عليا أنا. قعدت جنبه وقلت له بهدوء: “يا بابا، أنا عرفت موضوع البيت.. ليه مقلتليش؟ ليه خبيت عليا وسيبت نيمو وياسين يلعبوا بينا؟” بابا شاور بإيده برعشة وقال بصوت مبهوح: “كنت عاوز أستر أختك يا بنتي.. كانت مديونة بمبالغ لو عرفتيها كنتِ هتتبري منها، والشركة اللي اشترت البيت وعدتني إني أفضل قاعد فيه طول عمري، ومحدش هيعرف.”
في اللحظة دي، دخل “مؤمن” الغرفة، بس المرة دي كان معاه راجل وقور في الستين من عمره، أول ما بابا شافه، وشه اصفرّ جداً. الراجل ده بص لبابا وقال: “أنا صاحب شركة الاستثمار اللي اشترت البيت يا حاج.. وأنا مش جاي أطردكم.”
