منوعات

دهب امى ا

مانى

دخلت والعمال مستغربين، سألوني عنه بلهفة: “يا مدام، الحاج فين؟ بقاله تلات أيام ما جاش”. ابتسمت ببرود وقلت لهم:
“الحاج سافر يبدأ حياة جديدة.. بس نسي إن الأرض اللي واقف عليها دي، والحيطان دي، والبضاعة دي.. كلها لسه باسمي.”
​فتحت الدفاتر، وبدأت أراجع الحسابات بتركيز ماعرفتوش وأنا “الزوجة المخلصة”. اكتشفت إنه كان بيسحب من رأس المال بالراحة عشان يفرش “عش الخـ,ـيانة”. بس الغبي نسي إني كنت بخليه يوقع على كل ورقة، وكل وصل أمانة، بحجة إني “خايفة على حقه من غدر الزمن”.. مكنتش أعرف إني كنت بحمي نفسي من غدره هو.

​جمعت الأوراق كلها في شنطتي، وطلعت على المحامي. طول الطريق كنت حاسة بصوت أمي في ودني وهي بتقول: “يا بنتي الدهب ستر”. والنهاردة عرفت إن الستر مش في لبسه، الستر في إنه كشف لي معدن الراجل اللي ضيعت عليه عمري قبل ما السنين تسرقني أكتر
بعد يومين، الموبايل نور تاني. المرة دي كانت مكالمة منه، مش فيديو. رديت بمنتهى الثبات:
​هو (بصوت مهزوز): “أنتي عملتي إيه؟ المحل اتقفل ليه؟ والبضاعة راحت فين؟”
​أنا (بصوت هادي): “بعت الدهب يا ‘أبو ولادي’ عشان نفتح مشروع يلمنا.. ولما المشروع مالمناش، بعت ‘المشروع’ عشان أرجع الدهب لأمي.

الشقة الجديدة اللي ريحة دهانها لسه فيها، يا ترى هتعرف تدفع إيجارها من غير المحل؟”
​قفلت السكة في وشه، وبصيت للسما. لأول مرة من تلات أيام، اللقمة نزلت زوري وسدت جوع سنين من الحرمان والظلم. هو اختار “الواحدة الثانية”، وأنا اخترت “نفسي”.. ودي كانت أغلى صفقة عملتها في حياتي.
مرت الشهور، والشقة اللي كان فاكرها “جنة” مع غيري، بقت هي السجن اللي بيتحاصر فيه كل يوم. الديون اللي كان بيهرب منها زمان رجعت تطارده، بس المرة دي مفيش “ست بمية راجل” تشيل عنه. المحامي بتاعي كان أسرع منه، والحجز اللي نزل على كل حاجة تخصه خلاه يلف حولين نفسه.

في يوم، لقيته واقف قدام باب بيتي.. منظره مكنش زي الفيديو خالص. البدلة اللي كان لابسها “شياكة” بقت مبهدلة، والابتسامة الباردة اتحولت لنظرة انكسار أعرفها كويس
وقف يحاول يستعطفني، يرمي اللوم على “لحظة طيش” أو “عين صابته”. بصيت له وأنا ساندة ضهري على الباب اللي كان بيتقفل عليه وهو حاسس بالأمان:
“عارف إيه الفرق بيني وبينك؟ أنا لما كنت بشوفك مكسور، كنت بوطي الأرض عشان أشيلك.. أنت لما بقيت ‘فوق’ بفلوسي، دوست عليا عشان تعلى أكتر. اللي بينا ماكنش مجرد دهب اتباع، اللي بينا كان عمر، وأنت اللي حـ,ـرقته بالفيديو ده.”
حاول يمسك إيدي، سحبتها بمنتهى القوة والقرف:

“الشقة الجديدة اللي كنت بتغيظني بيها، عرفت إن صاحبتها سابتهالك لما لقتك مابقاش معاك مليم؟ أصل اللي بتشترك في ‘سرقة’ راجل من مراته، أول حاجة بتعملها إنها بتسيبه لما ‘الخـ,ـزنة’ تخلص.”
قفلت الباب في وشه، ورجعت قعدت وسط ولادي. بصيت في ملامحهم، لقيت فيهم القوة اللي استمديتها من الوجع. أنا مش بس استرديت فلوس أمي ودهبها، أنا استرديت “كرامتي” اللي كانت بتداس تحت رجليه وأنا فاكرة إني بضحي.
فتحت الفيديو للمرة الأخيرة، مش عشان أعيط، ولا عشان أتحسر. فتحته عشان أشوف ملامحه الباردة وأنا بمسحه نهائياً من ذاكرة موبايلي ومن حياتي.

ومع كل “تكة” مسح، كنت بحس بروحي بترجع لي.
​رميت الموبايل جانبي، وبصيت للمستقبل بعيون تانية خالص.. عيون ست عرفت إن الضربة اللي ماكسرتش ظهرها، خلتها أقوى من أي وقت فات. الحكاية ماخلصتش بضياعه، الحكاية بدأت “بنجاتي أنا”.

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى