
ركبت العربية مع ماجدة، ومفتحتش بوقي بكلمة طول الطريق. كنت باصة من الشباك على الشوارع والأنوار، وحاسة لأول مرة من سنين إن الوجع اللي في مفاصل صدري فك.. الحِمل التقيل اللي كان كاتم على نفسي انزاح. ماجدة طبطبت على إيدي وقالتلي: “رايحة فين يا بطة؟ بيتي مفتوحلك، والقرشين بتوع مقدم الإيجار أهم في الشنطة، يفرشوا لك أحسن شقة في مصر.” بصيت لها وابتسمت: “لأ يا ماجدة.. أنا مش هقعد في قهر الشقق تاني. أنا طالعة على بيت أبويا القديم في السيدة زينب.. السطوح اللي سيبته من تلاتين سنة. هصلحه وأقعد فيه وسط الناس الطيبين اللي بجد.”
عدى أسبوع.. وأسبوعين.. والتليفون مابطلش رن. مصطفى اتصل ييجي مية مرة، وميرفت بعتت رسائل تعيط وتتمسكن، بس أنا كنت قافلة قلبي بالضبة والمفتاح. كنت قاعدة فوق السطوح بعد ما نورته ودهنته، الهوا بيرد الروح، والوشوش حواليا بتسلم وتدعي بالبركة، مش وشوش بتبصلي على إني “شغالة بلقمتها”. وفي يوم.. لقيت الباب بيخبط. فتحت، لقيت مصطفى واقف.. بس مش مصطفى بتاع زمان اللي عينه في الموبايل ومبيردش الكلمة عن أمه. كان دبلان، وشه شاحب، وهدومه مش مكوية، وتحت عينه هالات سودا.
وقف على الباب وبصلي بنظرة طفل تايه وقال بصوت مبحوح: “سمحيني يا أمي.. أنا اتهنت برا بيتك.” وقفت مكاني متهزيتش، وربعت إيدي: “إيه اللي جابك يا مصطفى؟ مش الشقة الجديدة اللي أأجرتوها في آخر الدنيا مريحاكم؟” دخل وقعد على الكرسي الخشب، وحط راسه بين إيديه وبدأ يبكي بحرقة.. أول مرة أشوف ابني بيـ,ـعيط بالمنظر ده من يوم ما كان طفل صغير:
“ميرفت سابت البيت وراحت لأهلها يا أمي.. من يوم ما طردتينا -وقصدي من يوم ما رجعتي حقك- وهي مابتطالبنيش غير ببيت ملك باسمها. تقولي إنت مش راجل، إنت سيبت أمك ترمينا في الشارع.. نسيت إنها هي اللي رمت أصل الأصول.. نسيت إنها هي اللي خلتني أعمى ومفتحتش بوقي.” بصيت له وقلبي وجعني -لأن الأم بتفضل أم مهما قسيت- بس افتكرت الحوض، وافتكرت كلمة “حاجتنا”، وافتكرت شكل جسمي وهو مهدود في الغربة عشان الباشا يتجوز في الشياكة.
قلتله بنبرة هادية بس ناشفة: “وميرفت زعلانة ليه؟ مش ده عفشها وحاجتها اللي خايفة عليها؟ أهو معاها.. تروح تفرشه في أي حتة. إنما بيتي أنا.. اتقفل في وش اللي ميعرفش قيمتي.” رفع راسه وعينه حمرا: “أنا مش عايز ميرفت يا أمي.. أنا عايز رضاكي.. أنا عيالي بيسألوني كل يوم: فين تيته فاطمة؟ ليه مبقاش عندنا بيت كبير نلم فيه العيلة؟ أنا اتكسرت في غيبتك، وعرفت إن البيت من غير بركتك ضلمة وطاقتها خراب.. الشقة اللي أأجرناها متباتش فيها ليلة من كتر النكد.”
قمت وقفت عند السور، وبصيت للمآذن وهي بتنور مع أذان المغرب، وقلتله من غير ما ألتفت ورايا: “الندم حلو يا مصطفى.. بس لما بييجي متأخر بيبقى زي الدوا اللي صلاحيته انتهت.. مبيشفيش الوجع.” اتلفتت ليه وبصيت في عينه مباشرة: “أنا مش هطردك من حياتي، لأنك حتة مني.. بس الشقة دي مبقتش بتاعتك ولا هترجع للي اسمها ميرفت دي تاني. شريف المستأجر قاعد فيها تلات سنين بالقانون. وإنت.. قدامك تلات سنين تثبتلي فيهم إنك اتعلمت تفتح بوقك وتقول للـ,ـغلط لا، حتى لو الغلط ده جاي من مرتك.”
وقف ومسح دموعه، وحس إن في أمل صغير: “يعني مسمحاني يا أمي؟” قلتله وأنا بفتح له الباب: “المسامحة مش كلمة بتتقال يا ابن بطن.. المسامحة أفعال.. روح لم عيالك، وشوف هتعيشهم إزاي بكرامة، وتعالالي هنا كل جمعة تبوس إيدي ورجلي عشان أرضى عنك.. ومن غير المدام.. لأن فاطمة عبد الرحمن، مبيتداسش ليها على طرف مرتين.”