
خرج مصطفى مطأطأ الراس، بس حاسس بنص هيبة أمه اللي رجعتله.. وأنا قفلت الباب، وقعدت على الكرسي الهزاز بتاعي، وبصيت للسما وقلت: “الحمد لله.. الحساب لسه مخلصش.. بس البداية كانت صح.” عدى تمن شهور على قعدتي فوق السطوح في السيدة زينب. تمن شهور وأنا برجع فيهم فاطمة الشديدة، بتاعة زمان.. الست اللي كانت بتوقف سوق بحاله بكلمة منها. البيت هنا رجعتله الروح؛ زرعت صبار وريحان على السور، والكرسي الهزاز بقى ونيسي مع كباية الشاي بالنعناع بعد العصر.
مصطفى ابني كان بييجي كل جمعة زي ما اتفقت معاه. ييجي من نِجمة الفجر، شايل في إيده طلبات البيت، ويدخل يوطي على إيدي يبوسها، ويقعد تحت رجلي يسمع نصيحتي. مكنتش بدوس عليه بالوش الناشف علطول، بس كنت بربيه من أول وجديد.. بعلمه إن الراجل اللي ملوش خير في أمه، ملوش خير في أي حد. وفي جمعة من الجمعات، مصطفى جه.. بس مكنش لوحده. لقيته داخل ووراه العيال، محمود ونادية، جريوا عليا وحـ,ـضنوني وهم بيعيطوا: “وحشتينا يا تيته.. السطوح بتاعك جميل أوي وميريح.”
بصيت وراهم.. لقيت ميرفت واقفه عند الباب. المرة دي مكنتش ميرفت بتاعة الشنطة الماركة والوش اللي فوق مناخيرها. كانت لامة شعرها، ولابسة عباية سمرا سادة، وواقفة عينيها في الأرض، وشها خاسس وضهرها محني. الشهور اللي قضتها في بيت أهلها بعد ما مصطفى رفض يرجعها إلا بشروطي، أكلت من غطرستها وكسرت مناخيرها الأرض. مصطفى بصلي برجاء وقال: “أمي.. ميرفت جاية تطلب سماحك.. بقالها تمن شهور في بيت أبوها عرفت فيهم إن البيت اللي ملوش كبير بيبقى خرابة، وإن الست ملهاش هيبة إلا بكرامة جوزها اللي ضاعت لما داست على أمه.”
ميرفت خطت خطوة جوه السطوح، وركبتها مش شايلاها. وطت على إيدي وهي بتبـ,ـكي بدموع حقيقية المرة دي، مش دموع تماسيح: “سامحيني يا حاجة فاطمة.. أنا اترميت رمية كلاب في بيت أهلي، ومرات أخويا ورتني النجوم في عز الظهر.. شربتني من نفس الكاس اللي شربته لك. عرفت إن الدنيا سلف ودين، وإن اللي بتعمله الكنة في الحموات، بتشربه في الغربة والشتات.. أبوس إيدك سامحيني ورجعيلي جوزي وعيالي.” سحبت إيدي منها براحة، وقعدت على كرسيّ الهزاز، وبصيت لها بنظرة باردة خلت ركبها تتخبط في بعضها:
“عايزة سماحي يا ميرفت؟ السماح ده غالي أوي.. وإنتِ مفكرة إن الكلمتين دول هيمسحوا كسر نفسي وأنا بنشف طبق نضيف عشان أداري دموعي؟ مفكرة إنهم هينسوني كلمة ‘حاجتنا ومحدش يمد إيده عليها’؟” مسحت دموعها بكم عبايتها وقالت بنحيب: “والله العظيم اتعلمت الأدب.. أي حاجة هتقولي عليها هعملها.” التفت لمصطفى وقولتله بصوت حاسم: “إنت مأجر شقة قانون جديد في فيصل مش كده؟” قال لي: “أيوه يا أمي.. شقة على قدنا.” قولت لميرفت:
“هترجعي لبيتك وجوزك.. بس في شقة فيصل. الشقة الواسعة اللي في الشيخ زايد، إيجارها بيدخل في حسابي في البنك ومحدش ليه دعوة بيه. وعفشك الشيك والماركات اللي كنتِ بتتمنظري بيها، هيفضل مقفول عليه في الأوضة الصغيرة في الشيخ زايد لحد ما الإيجار يخلص.. هتعيشي في فيصل على قد لحاف مصطفى، وتطبخي وتكنسي وتمسحي بإيدك، ومن غير شغالة.. عشان تعرفي إن لقمة العيش بتيجي بالهد والحيل، مش بالمنظرة.” ميرفت بلعت ريقها، وبصت لمصطفى تترجاه يتكلم، بس مصطفى لفت وشه الناحية التانية وقالها:
“كلمة أمي هي اللي هتمشي.. يعجبك على كده أهلًا وسهلًا، مش عاجبك.. باب بيت أبوكي يفوت جمل.” ميرفت هزت راسها بسرعة وهي بتقول: “موافقة.. موافقة يا حاجة.. بس ارضي عني.” وقفت وبصيت لهم كلهم، وقلت بنبرة هزت السطوح: “الامتحان لسه بادئ يا ميرفت.. والجمعة الجاية، إنتِ اللي هتيجي بإيدك شايلة الغدا ليا ولعيالك، وتكنسي السطوح ده حتة حتة قبل ما تقعدي.. عشان تفتكري علطول إن الأرض اللي بتمشي عليها فاطمة عبد الرحمن.. غالية ومابتتداسش بالرجلين.”
مشوا كلهم، ومصطفى عينه بتلمع بالراحة لأن عيلته رجعت بس بشروطي أنا.. وبأصولي أنا. قعدت مكاني والهوا الساقع بيهز الورد حواليا.. وبقيت عارفة إن اللي جاي لسه فيه دروس كتيرة.. والكل لازم يتعلمها بالملي.