
لقيت ابني دمغاته غليت، ووشه اتغير تماماً، وقبل ما أنطق بحرف، لقيته زعق فيها بصوت هز أركان الشقة: “إيه الكلام اللي بتقوليه ده؟ إيه اللي ‘شقتي وشقتك’ ده؟ دي أمي وأختي، وإنتي عارفة كويس إن البيت ده بيتهم قبل ما يكون بيتك، وأي حاجة هنا هي بتاعتهم، ولو عايزة تمشي في البيت ده بمزاجك، يبقى تحترمي أهلي وأي تصرف يعملوه.” حاولت ترد بـ,ـدموع وتبرر، بس هو قطعها بحدة: “خلاص يا مروة، قفلي على الموضوع ده خالص، أهلي يطلعوا وينزلوا وقت ما يحبوا، ويستخدموا أي حاجة هنا، ولو شفتك تاني فاتحة بقك بكلمة عتاب لأمي أو أختي، يبقى لا تلومي إلا نفسك.
أنا مش متجوز عشان أعمل حيطة سد بيني وبين أهلي، وأي حاجة هنا لو باظت، أنا أجيب غيرها، بس كرامة أمي عندي بالدنيا.” سكتت خالص وبصت للأرض، مكسورة ومغلوبة على أمرها، وأنا واقفة بتبصلي بصه كلها استنكار، وأنا قلبي ارتاح في اللحظة دي، حسيت إن ابني لسه “ابني” اللي مربياه وعارف أصله، وإنه مهما حصل عمره ما هيرخص أهله عشان خاطر أي حد. بصلي ابني بعد ما خلص خـ,ـناقة معاها، وقالي: “يا أمي، ولا تشغلي بالك، اللي يضايقك هنا قوليلي، البيت بيتك ومحدش يقدر يفتح بقه بكلمة.”
من يوم ما ابني حط حد للموضوع، سكتت تماماً، بس السكات ده كان وراه حاجة تانية خالص.. بقت غريبة، دخلت في دور “الست المـ,ـريضة” أو اللي “مش قادرة”. بقيت أطلع أنا وبنتي ألاقي المطبخ حالة لا تسر عدو ولا حبيب، مواعين مركونة من يومين، رخامة عليها بواقي أكل، والبوتاجاز حالته يرثى لها. أول كام مرة، بنتي كانت بتقول “معلش أكيد تعبانة”، وتدخل هي تنضف وتطبخ وتعمل اللي وراها.
لحد ما في يوم، بنتي طلعت عشان تعمل أكل لقت المطبخ كـ,ـارثة، والوضع زاد عن حده، فدخلت لقت مرات ابني قاعدة في الصالة، ماسكة الموبايل وبتهز رجلها ببرود، وبنتى قالتلها: “يا مروة المطبخ متبهدل خالص ومحتاج تنضيف عشان أعرف أقف أعمل أكل”، بصت لها ببرود وقالت لها: “معلش يا حبيبتي، أنا بقالي يومين مش قادرة أتحرك، جسمي كله مكسر ومصدعة، وبعدين ما أنتِ عارفة، ده بيت أخوكِ زي بيتك، المطبخ قدامك وأدوات التنضيف تحت الحوض، اعملي أنتِ اللي تحبيه، أنا مش قادرة أمد إيدي في حاجة!”
بنتي اتصدمت من الرد، والبرود اللي بتتكلم بيه، وبقيت أسمع خـ,ـناقاتهم من تحت. المشـ,ـكلة إنها قلبتها “نواشف”؛ جبنة وعيش، ولانشون، ومفيش طبيخ، عشان لا تضطر تبهدل المطبخ ولا تضطر تنضف وراه حد. ابني بيجي من الشغل يلاقي مراته “تعـ,ـبانة” ومفيش أكل جاهز، ولما يروح يكلمها تقول له: “أنا مجهدة يا حبيبي، وأختك كانت هنا النهاردة وعملت أكل، المطبخ اتبهدل وأنا مش قادرة أقف أنضف، قولت سيبتهولها عشان هي عارفة نظامه”، وتقعد تشتكي له بدموع التماسيح إنها مش قادرة تعمل مجهود، وإنها بقت بتخاف تدخل المطبخ عشان متبقاش خادمة!
أنا بقيت شايفة ابني بين نارين، كل ما يجي يسألني أقوله “يا ابني دي شقتكم، وأنا مالي”، بس الحقيقة إن البيت بقى مكهرب، وهي بقت بتلعبها بذكاء، لا هي اللي بتطردنا ولا هي اللي بتنضف، خلت المطبخ “منطقة محرمة” ومتبهدلة، وكل ما نطلع نلاقي ريحة وحشة أو مواعين، نضطر ننضف غـ,ـصب عننا، ولما نشتكي لها، ترد بكلمتها المسمومة: “البيت بيتكم.. اعملوا أنتم”. بنتي بقت تطلع وتنزلي وهي بتغلي، وعينيها دبلانة من كتر النكد. يوم ورا يوم، المطبخ بقى ريحته تقلب النفس، والأطباق المليانة فضلات أكل مركونة على الرخامة وبقت تجيب حشرات.
حاولت أكلم ابني، لقيته هو كمان هلكان، رجع من الشغل مرة لقى البيت ضلمة ومراته نايمة، ولما سألها فين الأكل، قالتله بمنتهى البرود: “يا حبيبي أنا مش قادرة أقف على رجلي، وأختك كانت هنا الصبح وأكيد المطبخ محتاج تنضيف عشان تعرف تقف فيه، فقولت أريح نفسي وأسيب الدنيا زي ما هي عشان متبقاش حجة عليها”. ابني بصلي وهو محرج، وقالي: “يا أمي، الوضع كده مش نافع، أنا مش عارف أطلب إيه ولا أعمل إيه”.
أنا مقدرتش أسكت أكتر من كده، قررت أطلع أواجهها “قعدة عربي” زي ما بنقول. طلعت لقيتها قاعدة بتبص في التليفزيون، والمطبخ وراها كان منظر لا يحتمل. قولت لها: “بصي يا بنت الناس، اللعبة اللي بتلعبيها دي مكشوفة، وأنا مش هسمح إن ابني يعيش في قذارة عشان إنتي عايزة تعنديني”. بصتلي بابتسامة صفراء وقالتلي: “يا حماتي الغالية، أنا مش بعند، أنا فعلاً تـ,ـعبانة، والبيت بيتي وأنا حرة فيه، واللي مش عاجبه الوضع هو اللي يغيره”.
في اللحظة دي، دخلت بنتي ومعاها كيس زبـ,ـالة وبدأت تلم المواعين، وهي بتلمهم وبتقول: “إحنا مش جايين نخدمك، إحنا جايين نطبخ ونمشي، بس أنتِ اللي بتفرضي علينا القذارة دي”. مرات ابني قامت وقفت بكل هدوء وقالت: “بصي يا حبيبتي، البيت ده فيه ست واحدة، وأنا من النهاردة قررت إني مش هدخل المطبخ ده خالص، خلوه ليكم، اعملوا فيه اللي أنتم عايزينه، أنا هعتمد على الدليفري أو الأكل الجاهز، وأنتوا بقى استمتعوا بوقفة المطبخ وتعب التنضيف، ولو المطبخ اتوسخ، يبقى أنتِ اللي وسختيه يا ‘أخت جوزي’، وأنتِ اللي تنضفيه”.
نزلت وأنا حاسة إن القصر اللي كان بيجمعنا بقى سـ,ـجن. ابني بقى يا عيني بيحاول يرضي الكل، بس واضح إنها بدأت تضغط عليه بطريقة تانية.. بقت تمنعه من أي حاجة يشتريها للبيت، وبقت تحسسه إن كل قرش بيصرفه على “شقتهم” هو إهدار، والمصيبة إنها بدأت تلم لبسها وتقول إنها “مش قادرة تعيش في بيت ملوش نظام”. في يوم، صحيت على صوت خـ,ـناقة عالية فوق.. خـ,ـناقة مش زي كل مرة، صوت تكسير حاجات، وصوت ابني بـ,ـزعق بأعلى صوته، وبعدها سمعت صوت باب الشقة بيخبط بعنف شديد.
طلعت أجري أنا وبنتي، لقيت ابني واقف في نص الصالة، وشه أصفر وشعره منكوش، والأرض متبهدلة هدوم وشنط مرمية. سألته بخوف: “في إيه يا ابني؟ مروة فين؟” بص لي بصه غريبة، عيون مليانة انكسار وقهر، وقالي بصوت مبحوح: “مشت يا أمي.. خدت حاجتها ومشيت وراحت بيت أهلها، وقالتلي أنا مش هقعد في بيت أهلك فيه أكتر مني، ولا هعيش خادمة في شقة مش ملكي، ولا هقبل إن أختك وأمك يتحكموا في خصوصيتي وفي بيتي.”
قعدت على أقرب كرسي، حسيت بضـ,ـربات قلبي سريعة.. قالي وهو بيحاول يتماسك: “قالتلي يا أنا يا أهلك في الشقة دي، ولو مش عاجبك، خلّي أهلك ينفعوك.. والبيت اللي مش عارف تسيطر عليه وتخلي فيه خصوصية لمراتك، مش بيت عيشة.”
