
طارق دخل الجنينة جري ومعه الضابط وقوة من رجال المباحث، ملامحهم كانت مشدودة ومتوترة. أول ما طارق شافني واقفة وسط الكراتين وفي إيدي الكوتشي الأبيض والعلبة القطيفة، جِه عليا بسرعة وهو بيلهث: “نيرمين! إنتي إيه اللي خرجك؟ وإيه الحاجات دي؟” الضابط قرب وعينيه بتفحص المكان بذكاء، وشاف كيس القطيفة والكارت المكتوب. سحب الكارت من إيدي وقرأه بسرعة، وملامحه اتقسمت بين الذهول والجدية: “صاحبة محلات جلود؟ وجوزها محبوس في قضية تهريب؟”
بصيت لطارق وأنا بتهز من المفاجأة وقلت له وصوتي بيترعش: “طارق.. الست اللي غادة ادتها الجزمة طلعت مش شحاتة! دي صاحبة الشغل ده كله، وبتقول إن جوزها مظلوم في قضية تهريب، وإن الدليل اللي هيحبس سيد الهواري ويبرأ جوزها موجود هنا.. جوه بطانة الكوتشي ده!” الضابط سحب الكوتشي الأبيض بخطوط بمبي من إيدي بحذر شديد، وطلع مطواة صغيرة من جيبه، وبدأ يفك خياطة النعل الداخلي للكوتشي بالراحة وباحترافية. كلنا كنا واقفين كاتمين أنفاسنا، غادة كانت بتبص من ورا شيش الشباك وعينيها واسعة من الفضول والخوف، والكلب بره بدأ يفوق ويهز ديله بضعف.
فجأة، النعل اتقلب في إيد الضابط، وظهرت من جواه “فلاشة” صغيرة جداً ومسطحة (Flash Drive)، ملفوفة في بلاستيك شفاف عشان الرطوبة، وجنبها ورقة صغيرة مطوية بدقة ومكتوبة بخط مضغوط. الضابط سحب الفلاشة والورقة، وبدأ يقرأ بتركيز، وعينيه بتوسع مع كل سطر: “يا ابن اللذينة يا سيد.. ده مكنش مجرد مستورد! ده الورق ده فيه حسابات سرية، وأسماء ناس كبار في المينا كانوا بيسهلوا له دخول الشحنات المضروبة من سنين، والراجل المحبوس ده مكنش غير كبش فدا وممضيينه على وصولات أمانة بالتهديد!”
طارق حط إيده على دماغه ومسح وشه بذهول: “يعني الشحنة اللي أنا وقفتها الأسبوع اللي فات دي، كانت الخيط اللي هيقطع راس الأفعى كلها؟ وسيد الهواري لما جاب الكراتين هنا بالليل عن طريق دينا، كان فاكر إنه بيض.رب عصفورين بحجر.. بيلبسني القضية، وبيتخلص من كراتين الشحنة المهربة اللي مقلوبة عليها الدنيا!” الضابط هزه بكتفه وبسمة نصر ظهرت على وشه: “الض.ربة جاتله من حتة عمره ما يتخيلها.. من طفلة عندها 10 سنين وقلبها أبيض! الفلاشة دي عليها تسجيلات صوتية لسيد وهو بيتفق على الرشاوى، وفيها كشوفات بأسماء البضاعة المغشوشة اللي دخلت البلد. دينا أختك وسيد الهواري مش هيشوفوا الشمس تاني.”
في اللحظة دي، الضابط وشرطة المباحث استأذنوا بسرعة وأخدوا الفلاشة والورق عشان يتحركوا على النيابة العامة لتقديم الأدلة الجديدة وتوسيع دائرة الاتهام. الجنينة هديت تماماً، ومبقاش فاضل فيها غير الكراتين المفتوحة، وطقم الدهب اللي بيلمع في العلبة، والكوتشي المرصع بالكريستال. طارق قعد على الرصيف وبص للأرض وهو لسه مش مستوعب إن أخته كانت هتضيع مستقبله وتدمر بيته عشان شوية فلوس، وإن طيبة بنته اللي دينا كانت بتسميها “هبل وخيابة” هي اللي أنقذت العيلة كلها وكشفت أكبر شبكة فساد في المينا.
خرجت غادة من باب الشقة براحة، ومشيت بخطوات بطيئة لحد ما وقفت جنبنا، وبصت للكراتين واللعب، وبعدين بصت لي وقالت ببراءة: “ماما.. هو الكوتشي ده بتاعي؟” ح.ضنتها بقوة وأنا بعيط وبضحك في نفس الوقت: “بتاعك يا قلب ماما.. والدهب ده كمان بتاعك، إنتي أحسن وأشطر بنت في الدنيا كلها.” شيلنا الكراتين ودخلنا جوه البيت، وحاولنا نستعيد هدوءنا بعد اليوم الطويل المرعب ده. طارق دخل يغير لبسه ونام من التعب، وأنا قعدت في الصالة مع غادة وهي فرحانة باللعب والكوتشي الجديد اللي بينور.
الساعة دخلت على 2 بالليل، والهدوء ساد المكان تماماً، وكنت خلاص هقفل الأنوار وأدخل أنام.. لولا إني سمعت صوت تزييق غريب جاي من بلكونة الصالة. قربت من البلكونة وبصيت بره.. لقيت خيال أسود وضخم واقف ورا الستارة، وبيمد إيده بالراحة عشان يفتح الترباس! تصلبت في مكاني، الدم تجمد في عروقي، والصرخة اتحبست في صدري. خيال الراجل كان ضخم، لابس لبس أسود بالكامل، ومغطي وشه بقناع. كان بيتعامل بهدوء مرعب، بيحاول يفتح الترباس ببطء شديد عشان ميطلعش أي صوت.
بصيت لغادة بسرعة، لقيتها نايمة بعمق على الكنبة، واللعب حواليها. حمدت ربنا إنها مش شايفة المنظر ده. تراجعت لورا خطوة، ويدي بتدور بلهفة على تليفوني اللي كنت سايباه على الترابيزة. الراجل نجح في فتح الترباس، والستارة بدأت تتحرك. قلبي كان بيدق لدرجة إني حاسة إنه مسموع بره. مسكت التليفون، ويدي بتترعش، فتحت الرسايل وبعت رسالة طوارئ لطارق – اللي كان في أوضة النوم مش بعيد – “في حد في البلكونة!”.
في اللحظة اللي الراجل حط فيها رجله جوه الصالة، طارق طلع من الأوضة زي البرق. طارق راجل ضخم وعريض، وكان باين عليه الغضب اللي حوشه طول اليوم. من غير ما ينطق كلمة، هجم على الشخص اللي لابس أسود قبل ما يلحق ياخد خطوة تانية. بدأت خناقة عنيفة.. كراسي بتتقلب، فازات بتتكسر، وأصوات تلاحم أجسادهم كانت بتملى البيت. غادة صحيت على الصوت وبدأت تصرخ، وأنا جريت خدتها في ح.ضني ودخلتها أوضة النوم وقفلت على نفسي وأنا بصرخ: “يا طارق! يا طارق!”.
فجأة، ساد الصمت.. صمت رهيب ومخيف. بعد دقيقة، سمعت صوت طارق بينهج بقوة، وصوت حد بيستغيث بصوت مكتوم. خرجت بحذر، لقيت طارق ماسك الراجل من رقبته ومثبته في الأرض، والقناع واقع من على وشه. شهقت لما شفت الوش.. ده مش سيد الهواري، ولا حد من رجاله. ده كان “حارس الأمن” اللي كان واقف بره من الصبح، اللي الضابط كان قايل إنه من القوة اللي بتأمن بيتنا! طارق كان بيزعق بغضب: “مين باعتك؟ انطق!”
الراجل كان بيترعش، وبص لطارق بدموع في عينيه وقال بصوت متقطع: “أنا آسف يا باشمهندس.. والله العظيم مراتي مريضة ومحتاجة عملية، وسيد الهواري قبل ما يتقبض عليه بساعة كان باعت لي رسالة، قالي لو دخلت البيت وأخدت الفلاشة اللي كانت في الكوتشي، هيدفع لي تمن العملية.. أنا مكنتش عايز أعمل كده، بس كنت مضطر!” طارق سابه وقام وقف وهو باصص له باشمئزاز: “الفلاشة اللي كنت بتدور عليها بقت عند المباحث يا مغفل.. يعني اللي عملته ده ملوش أي لزوم غير إنك ضيعت نفسك بجد.”
في اللحظة دي، سمعنا صوت سارينات شرطة تاني قدام البيت. طارق اتصل بالضابط، والشرطة وصلت في دقائق وأخدوا الحارس اللي كان شغال لصالح سيد الهواري، وكان ناوي يسرق الدليل الوحيد اللي فاضل للضغط على القضية.