منوعات

بنتي غادة ادت 3

لما الشرطة مشيت، قعدنا أنا وطارق على الأرض جنب غادة اللي كانت حاضنة الكوتشي بتاعها وبتعيط. البيت كان مكسر، وحياتنا كلها اتقلبت في 24 ساعة. طارق بص لي وقال بصوت واطي: “نيرمين.. إحنا لازم نمشي من هنا. البيت ده مبقاش أمان، والناس دي مش هتسكت حتى وهما في الحبس.”

بس قبل ما أرد عليه، تليفون طارق رن.. الرقم كان “مجهول”. رد طارق بحذر، وسمعنا صوت راجل عجوز ووقور، صوته كان هادي جداً ومخيف: “يا باشمهندس طارق.. أنت فكرت إنك كسبت، بس الحقيقة إنك لسه مأدركتش حجم الناس اللي لمست ذيولهم.. الحكاية لسه بتبدأ، واللعبة الجاية مش هتكون في بيتك، اللعبة الجاية هتكون على حياتك وحياة أغلى ما تملك.” الخط اتقفل.. والبيت كله ضلم فجأة، وكأن الكهرباء اتقطعت عن المنطقة كلها في نفس اللحظة!

الكهرباء اتقطعت، والبيت غرق في ضلمة كحل وسكون مرعب، مفيش فيه غير صوت أنفاسنا المتسارعة. طارق شدنا أنا وغادة لح.ضنه وسط الصالة، وهو ماسك تليفونه اللي شاشته بتنور بضعف، وبيحاول يتصل بالضابط تاني.. بس الصدمة إن الشبكة كانت “خارج الخدمة” تماماً، وكأن فيه أجهزة تشويش اتفتحت حوالين البيت! “طارق.. أنا خايفة!” همست غادة وهي بتبكي وتضم الكوتشي الأبيض لصدرها. طارق باس راسها وقال بنبرة قوية مبيهزهاش الخوف: “متخافيش يا قلب بابا، طول ما أنا عايش مفيش مخلوق هيلمسكم.”

فجأة، نور كشافات عربيات قوية ض.رب في شبابيك الصالة، وصوت فرامل عنيفة هز الشارع بره. قلبي سقط في رجلي، وافتكرت التهديد اللي لسه سامعينه في التليفون. طارق قرب بحذر من الشباك وبص بره.. ولقيته بيتنفخ براحة، وملامحه المشنوجة بدأت تفك. “نيرمين.. دول مش هما.. دي قوات دعم مكثفة من الشرطة والعمليات الخاصة!”

الباب خبط بقوة، ولما طارق فتح، دخل الضابط ومعاه لواء من قيادات المباحث، والكشافات في إيديهم بتنور المكان. اللواء قرب من طارق وسلم عليه باحترام وقال له: “حمد الله على سلامتكم يا باشمهندس. إحنا قطعنا الكهرباء وشوشنا على المنطقة بالكامل لـ 10 دقائق كخطة تمويه عشان ننزل بقوات الدعم من غير ما حد من المراقِبين لبيتك يحس، والخط اللي كلمك حالا حددنا مكانه.. ده كان تسجيل متفبرك مبعوت من برا مصر لإثارة الرعب في قلبك عشان تتنازل عن القضية!”

الضابط كمل وهو مبتسم: “سيد الهواري انهار تماماً واعترف على الشبكة كلها بعد ما واجهناه بالفلاشة، والناس الكبار اللي ساندينه في المينا اتقبض عليهم حالا في عمليات متزامنة. أما دينا أختك.. فإحنا واجهناها باعترافات رجالة الهواري، وهي حالياً محبوسة على ذمة التحقيق بتهمة التواطؤ والتحريض على خطف قاصر وترويع آمنين، ومفيش أي وساطة هتخرجها.” تنفست الصعداء، وحسيت إن جبل كان شايل على صدري وانزاح. غادة بصت للضابط وقالت ببراءة: “يعني الكوتشي بتاعي هو اللي حبس الأشرار؟”

اللواء ضحك وطبطب على راسها: “الكوتشي بتاعك وقلبك الأبيض يا غادة هما اللي حموا البلد من جشع ناس ميعرفوش ربنا.. إنتي بطلة اليوم.” بعد مرور شهر.. الحياة رجعت لمجراها الطبيعي، طارق اترقى في منصب أعلى في الجمارك وبقى له حراسة وتأمين، ودينا وشبكة الفساد أخدوا أحكام رادعة بالسجن المشدد ليكونوا عبرة لكل من تسول له نفسه تدمير بيوت الأبرياء. وفي يوم جمعة مشمس، كنا قاعدين في الجنينة اللي رجعت خضرا وجميلة بعد ما اتخلصنا من الـ 68 كرتونة سودا. غادة كانت لابسة كوتشيها الأبيض الجديد اللي مرصع بالكريستال وبتتنطط بيه من الفرحة، ولما بصيت لها، افتكرت كل اللي مرينا بيه..

### الحكمة من القصة: > **”صنائع المعروف تقي مصارع السوء”** > أحياناً بنشوف الطيبة والنوايا الصافية في زمننا ده على إنها “ضعف أو خيبة”، زي ما دينا كانت فاكرة. بس الحقيقة إن اللقاح الحقيقي ضد مصايب الدنيا هو الخير اللي بنزرعه في قلوب الناس من غير ما نستنى مقابل. > غادة، بطفولتها وبراءتها، قدمت كوتشي كانت بتحلم بيه لبنت حافية في الشارع، والخير ده لف لفته ورجع لنا في نفس اليوم.. لولا الموقف ده، ولولا تضامن الست اللي أخدت الجزمة، مكنش الدليل الحقيقي هيوصل لإيد طارق، ومكانتش شبكة الفساد دي هتكشف، ومكنش بيتنا هيتأمن من غدر أخته وعصابة سيد الهواري.

> علموا أولادكم إن العطاء عمره ما كان خسارة، وإن نظرة الرضا واليقين في عيون المحتاجين هي الحارس الخفي اللي بيحمينا في الغيب لما تضيق بينا الدنيا. >

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى