منوعات

حماتي كانت كل ما أعمل عزومة2

وقف سامح قدامي مذهول، عينيه رايحة جاية بين صورة التنازل على شاشة موبايلي وبين الباب. التليفون في إيده كان لسه بيزن برقم أمه، بس ما جاليش جرأة يرفع السماعة ولا يرد عليها. — جيهان.. إنتي أكيد بتهزري! أوراق إيه وإيصالات إيه؟ الكلام ده عدى عليه سنين والموضوع اتفلل! رديت عليه بنبرة أبرد من التلج: — اللي بيتسجل في الشهر العقاري يا سامح مابيمو.تش بالزمن.. أبوي الله يرحمه كان عارف إنه بيتعامل مع مين، وعشان كده أمنني قبل ما يسيب الدنيا. قدامك 60 دقيقة بالتمام، ترجعلي الحاجة اللي اتسـ,ـرقت من دولابي، وإلا قسم الشرطة مش بعيد عن هنا.

أخد نفس مكسور، وخرج من البيت بيجري زي المجنون. قعدت على الكنبة في الصالة، قلبي كان بيغلي، بس كنت حاسة لأول مرة من سنين إن زمام الأمور في إيدي. عدت أربعين دقيقة، وسمعت صوت الدبّة على السلم. الباب اتفتح، وما كانش سامح لوحده.. دخلت وراه حماتي بنفسها، وشها أحمر من الغضب وعينيها بطق شرار، ومسكة في إيدها شنطة بلاستيك سودا. رمت الشنطة على الترابيزة بغل وقالت بصوت طالع بالعافية: — أد أوراقك يا بنت الأصول! جاية تهددي ابني في بيته؟ فاكرة إن شوية ورق كتبتوهم زمان هيخلوكي أخت رجال وتلوي دراعنا؟

وقفت قصادها وش بثقة: — البيت ده بيتي أنا بالقانون وبفلوس أمي، مش بفلوس ابنك اللي ضيعها في الهوا. والورقة اللي كتبتيها بخط إيدك أهي معايا.. أظن النيابة بتحب أوي تشوف أدلة التآمر والتخطيط لسـ,ـرقة ملكية خاصة! حماتي بصت لسامح باستنجاد، وقالت له بصوت عالي: — ساكت ليه يا سي سامح؟ سايبها تبهدل أمك وتطردك من بيتك؟ طلقها دلوقتي ورميها بره! سامح بصلها بقلة حيلة، وصوته كان بيترعش: — أطلق مين يا ماما؟ إنتي مش فاهمة حاجة! التنازل حقيقي وإيصالات الأمانة لو راحت للنيابة هتحبس فيها! إنتي اللي وديتينا في داهية بفكرتك دي!

الكلمة نزل على حماتي زي الصاعقة. ابنها اللي كانت بتحركه بكلمة، بقى بينهال عليها باللوم قدامي. قربت من الترابيزة، فتحت الشنطة السودا، وراجعت الأوراق ورقة ورقة: جواز السفر، دفتر التوفير، وصور العقود. لما تأكدت إن كل حاجة كاملة، بصيت لسامح وقلت له بصوت حاسم: — الشنطة دي كملت، بس دورك أنت في البيت ده انتهى.. انزل مع أمك يا سامح. حماتي صرخت: — تنزلي مين يا عنيبة؟ ده بيت ابني! رديت عليها وأنا بفتح باب الشقة على آخره:

— البيت ده بيتي أنا، وأنتوا الاتنين مالكوش مكان فيه من اللحظة دي.. ولو سامح مش هيخرج بالذوق، يبقى الإحضار هيجيله من النيابة الصبح بتبديد ممتلكات وإيصالات أمانة. سامح بصلها بكسرة وقال: — يلا يا ماما ننزل.. يلا بلاش فضـ,ـايح. خرجوا الاتنين على السلم، وحماتي بتبرطم وتتحسبن، وسامح ماشي وراها مطأطأ رأسه. قفلت الباب وراهم بالمفتاح، وحطيت إيدي على قلبي وأنا بتنفس لأول مرة بحرية. بس وأنا بلم باقي الورق من على الترابيزة عشان أشيله في مكان أمين، رن موبايلي برقم غريب.. رقم ما أعرفوش. فتحت الخط، وجالي صوت راجل جاد وبيحذرني:

— مدام جيهان؟ خلي بالك، اللي أخدتيه من الشنطة ده مش كل حاجة.. جوزك وأمه بايعين الشقة دي بعقد ابتدائي لتاجر كبير من شهر، والتاجر ده طالع يستلم الشقة منك بكرة الصبح! سكن الليل تمامًا، وخيم سكون ثقيل على الشقة، لكن عقلي كان يغلي كمرجل. وقفت في منتصف الصالة والموبايل مثبت على أذني، وصوت الرجل الغريب على الطرف الآخر ما زال يتردد في أذني كصدمة كهربائية: «جوزك وأمه بايعين الشقة بعقد ابتدائي لتاجر كبير من شهر، والتاجر طالع يستلم بكرة الصبح!»

قبل أن أتمكن من استيعاب المفاجأة أو أن أسأله عن هويته، أُغلق الخط. سمعت صفير التون المتقطع. تنفست بسرعة، وشعرت أن جدران الصالة تتداعى عليّ. كدت أقع أرضًا، لكنني تسندت على ظهر الكنبة. هل يعقل أن تصل الخسة بسامح وأمه إلى هذا الحد؟ لم يكن الأمر مجرد محاولة لإخراجي من البيت لعدة أيام كما كُتب في الورقة الصغيرة، بل كان بيعًا كليًا، عملية احتفال صامتة بذبحي وتشريدي، وبيع ما لا يملكان لمن لا يرحم!

مسحت العرق البارد عن جبهتي، ودخلت أوضة النوم جريًا. أخرجت الحقيبة التي وضعت فيها أوراق الملكية الحقيقية وإيصالات الأمانة، وتنازل سامح الموثق. تأكدت من وجود الأختام الحمراء للشهادات الرسمية للشهر العقاري. الأوراق سليمة، لكن كيف أواجه تاجرًا ربما دفع ملايين الجنبهات لزوج نصاب وأم جشعة؟ كيف أمنع اقتحام بيتي في الصباح الباكر؟ في تمام الساعة الواحدة صباحًا، لم أجد مفرًا من الاتصال بـ «المحامي الأستاذ رفعت»، صديق والدتي القديم والرجل الذي وثقنا به دائمًا في الأزمات. رن الهاتف مرتين قبل أن يأتي صوته المتهدج المتفاجئ:

— مدام جيهان؟ خير يا بنتي في حاجة حصلت في الوقت ده؟ حكيت له كل شيء دفعة واحدة، بصوت يرتجف وكلمات متسارعة: عن مكالمات حماتي السابقة، عن كشف السر والورقة المسربة تحت السرير، عن المواجهة وشطب وجودهم من الشقة، وأخيرًا عن ذلك الاتصال المجهول والتاجر الذي قيل إنه سيصل صباحًا ومعه عقد ابتدائي. ساد الصمت من طرفه لثوانٍ معدودات كانت بالنسبة لي كأعوام، ثم سمعت صوت تحريك كرسي وصوت زفير حاد منه:

— اسمعيني كويس يا جيهان وما تخافيش. العقد الابتدائي اللي مع التاجر ده بلة وبليها وشربي ميتها قدام أوراق التنازل الموثقة في الشهر العقاري وإيصالات الأمانة اللي معاكي. سامح أجرَم ببيعه مال لا يملكه، ودي جناية نَصب صريحة. لكن المشكلة مش في القانون، المشكلة في إن التاجر ده ممكن ييجي ببلطجية ويحاول يفرض أمر واقع أو يكسر الباب. إنتي قفلتي الباب كويس؟ — أيوة يا أستاذ رفعت، قفلته بالمفتاح والترباس.

— ممتاز. بكره الساعة تمانية الصبح هكون عندك قدام باب العمارة ومعايا المحضر الرسمية وصورة من التنازل المسجل، ومعايا إثبات حالة. وبصفتي وكيلي القانوني، مش هسمح لحد يلمس مفصلة في الباب. بس عايزك تعملي حاجة مهمة دلوقتي. — إيه هي؟ — خشي الأوضة، ودوري في الأوراق القديمة اللي سامح سابها في أدراجه، أو في أي تسجيلات أو رسائل بينه وبين أمه على اللاب توب أو تليفونه القديم. أي حاجة تثبت إنه كان عارف إنه بيبيع حاجة مش ملكه، عشان نقفل عليه وعلى أمه كل أبواب الهروب.

بعدما أغلقت الهاتف مع الأستاذ رفعت، شعرت بجرعة شجاعة تسري في عروقي. طردت الخوف واستبدلته بالرغبة في الانتقام الشريف لحقي وحق والدي رحمه الله. ذهبت إلى مكتب سامح الصغير في الزاوية، وبدأت أفتش أدراجه بدقة لم أعهدها في نفسي من قبل. أخرجت الدفاتر القديمة، الفواتير، البطاقات، وحتى الأظرف الفارغة. وفجأة، في الجزء الخلفي من الدرج السقلي المزدوج، وجدت جهاز هاتف محمول قديمًا لسامح، كان يستعمله قبل سنة. حاولت تشغيله، وكان لحسن الحظ يحتفظ بنسبة بسيطة من الشحن. فتحت رسائل الـ WhatsApp القديمة والأرشيف. وبدأت أبحث برقم أمه.

ظهرت أمام عيني محادثات كاملة بصوت صريح وكتابات واضحة تزلزل الجبال! تسجيل صوتی بحجم نصف دقيقة بصوت حماتي: («يا سامح، الحاج عبد العظيم التاجر اتفق معايا خلاص.. هيسندنا ويشتري الشقة بكاش فورًا، بس شرطه يلمس العقود الابتدائية اللي معاك. إنت بتقول جيهان مش حاسة بحاجة، يلا خرسها بأي عزومة لأهلها، وشغل مخك وافتح الدولاب وخد صور أوراقها اللي فاكراها أصلية، والتاجر مش هيسأل في الشهر العقاري دلوقتي لأنه واثق فيا.. المهم نلم الفلوس ونأجرلك شقة تانية باسمي أنا، وتطلقها وتبتدي حياتك من جديد بره قرف أهلها!»)

وتسجيل آخر برقية بصوت سامح وهو يرد عليها بكل خضوع ونذالة: («ماشية الخطة يا ماما.. التاجر أخد صورة العقد، وبكره بعد العزومة هخليها تنزل عند أهلها بحجة إنها تعبانة، ونستلم بافي الفلوس ونغير كالون الباب. هي مش هتعرف تعمل حاجة لأن الأوراق اللي معاها فاكراها أصول وهي مجرد ورق مالوش قيمة، والأصل معايا.») كنت أستمع للتسجيلات والدموع تتجمد في عيني من شدة الصدمة. كانت مؤامرة مكتملة الأركان! لم تكن أمًا خائفة على ابنها، بل كانت زعيمة عصابة تخطط للسـ,ـرقة والاستـ,ـيلاء، وابنها كان مجرد أداة طيعة ينفذ بأوامرها دون ذرة من ضمير أو نرجسية رجل.

قمت فورًا بنقل كل هذه التسجيلات والمحادثات إلى هاتفي الشخصي، وأرسلت نسخة منها على البريد الإلكتروني الخاص بالأستاذ رفعت، مع وضع نسخة احتياطية في وحدة تخزين سحابية. مرت ساعات الليل كأنها دهور. لم أذق طعم النوم. جلست في الصالة أرقب الخيوط الأولى لفجر يوم جديد. كنت أسمع كل حركة في الممر الخارجي، كل صرير مصعد يثير قشعريرة في جسدي، لكنني كنت مسلحة بالقانون، بالحق، وبتسجيلات صوتية تقطع الشك باليقين. في تمام الساعة السابعة والنصف صباحًا، أشرقت الشمس، وجاءت اللحظة الحرج.

سمعت أصوات أقدام ثقيلة تصعد على السلم، لم تكن قدمًا واحدة بل أقدام متعددة. ثم جاءت الطرقات على الباب.. طرقات قوية، متتالية، خالية من أي أدب أو استئذان. طرق.. طرق.. طرق! صوت رجل جامد ومرتفع ينادي من الخارجي:

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى