
— افتحي يا مدام! افتحي يا بيت! أنا الحاج عبد العظيم.. افتحي الشقة دي بقت ملكي خلاص واستلمتها بعقد ابتدائي ومقدم مدفوع! وقفت خلف الباب المصفح مباشرة، وقلبي ينبض بقوة، لكن صوتي خرج ثابتًا ونقيًا كالسيف: — امشي من هنا يا حاج عبد العظيم قبل ما أطلب النجدة! الشقة دي مش ملك سامح، ومحدش له حق يبيع ولا يشتري فيها غيري! جاءه صوت حماتي المفاجئ من خلفه! كانت قد جاءت معه لتضمن استلامه الشقة ولتثبت حضورها!
صرخت حماتي من خلف الباب بصوت كالحشارج: — افتحي يا بت إنتي بلاش قلة أدب وفضايح! التاجر دفع فلوسه والبيت مابقاش بتاعك! انزلي غوري عند أهلك اللي قارفانا بيهم من يوم ما دخلتي البيت! وفي تلك اللحظة بالذات، سمعت صوتًا حاسمًا يرتفع في الممر، صوت الأستاذ رفعت المحامي وهو يصعد الدرج برفقة أمين شرطة واثنين من رجاله: — اتفضلوا استريحوا كلكم! محدش هيلمس الباب ده، ومحدش هيتحرك من مكانكم هنا لحد ما نشوف من النصاب ومن صاحب الحق!
ساد الصمت الممر فجأة. فتح الأستاذ رفعت حقيبته الأنيقة، وأخرج منها ملفًا أصفر سميكًا، وبدأ يعرض العقود والتسجيلات المطبوعة على التاجر الحاج عبد العظيم، والشرطة تقف بجانبه. قمت بفتح الباب قليلاً وأنا أضع السلسلة الحديدية، لأرى المشهد. كان التاجر عبد العظيم رجلًا ستينيًا ضخم الجـ,ـثة، يرتدي جلبابًا بلديًا فاخرًا، ووجهه يتصبب عرقًا وهو يقرأ الأوراق الرسمية الموثقة بأختام الدولة الصريحة، والتي تنص على أن الشقة مباعة ومسجلة باسمي أنا «جيهان» منذ سنوات، وأن أي عقد آخر هو عقد باطل ولاغٍ قانونًا.
تطلع التاجر إلى حماتي بظنون وشرر يخرج من عينيه، ثم التفت لسامح الذي كان يقف خلف أمه كالفأر المبلل، يرتجف ولا يستطيع رفع رأسه. قال التاجر بصوت كالرعد اهتزت له جدران العمارة: — بقى إنتي يا ست ويا جدع يا نصاب تبيعولي شقة مش ملككم؟ وتأخدوا مني نصف مليون جنيه عربون مقدم بعقد ابتدائي مزور؟! صرخت حماتي مذعورة: — لا يا حاج عبد العظيم! دي البت دي ضاحكة على ابني وكاتبة الشقة باسمها زمان بالتحايل!
رد الأستاذ رفعت بصرامة وقار: — التحايل هو التسجيلات الصوتية اللي معايا هنا بصوتك وصوت ابنك وأنتوا بتتفقوا على سـ,ـرقة أوراق الشقة وعلى بيعها للتاجر ده بغير حق! والتسجيلات دي أصبحت حجة عليكم وفي طريقها للنيابة العامة بتهمة النصب والاحتيال والبيع لغير المالك! انقبض وجه التاجر عبد العظيم، واندفع نحو سامح وأمسك بتلابيبه بقوة حتى كاد يرفعه عن الأرض، وصرح فيه: — فلوسي ترجعلي فورًا كاش! نقدًا وعدة! وإلا والله ما هترجعوا بيتكوا، وهتدخلوا السجن من أوسع أبوابه!
انهار سامح تمامًا وسقط على ركبتيه في الممر، يبكي ويتوسل للتاجر، بينما حماتي تصرخ وتلطم على خدودها وهي ترى خطتها الشيطانية تتحول إلى فخ يبتلعها هي وابنها المدلل. نظر لي الأستاذ رفعت وابتسم لي بثبات، وقال بصوت مرتفع يسمعه الجميع: — مدام جيهان.. اقفلي بابك واستريحي. القضية دلوقتي بقت بين التاجر وبين سامح وأمه في النيابة، والشقة أصبحت تحت حراسة القانون وباسمك كليًا. وسامح بكرة الصبح يوصله ورقة الطلاق بضرر مع دعوى حبس بإيصالات الأمانة!
فتحت الباب كليًا، ووقفت عند العتبة وأنا أنظر لحماتي وسامح وهما يُساقان بواسطة التاجر ورجال الشرطة لمركز الشرطة للتحقيق في جناية النصب، وقلت لحماتي كلمة واحدة قبل أن تنزل الدرج وهي مكسورة: — أهلها اللي كنتي بتقولي جايين ياخدوا راحتهم في بيتك.. هما اللي هيقعدوا معايا فيه من النهاردة، وبإرادتي وبعزتي، وأنتِ وابنك مالكوش مكان غير في خشبة الاتهام! قفلت الباب بوهج الثقة، وسكن البيت، لكن السكون هذه المرة كان سكون النصر والكرامة التي استرددتها كليًا.
مرت أيام قليلة كأنها كابوس وانزاح عن صدري. الشقة التي حاولوا سلبها مني أصبحت ملاذي الهادئ، والجدران التي شهدت على مؤامراتهم أصبحت تشهد اليوم على حريتي وكرامتي التي استرددتها بكامل إرادتي. في جلسة النيابة الأولى، لم يستطع سامح ولا أمه إنكار التهم. التسجيلات الصوتية المحفوظة، وإيصالات الأمانة، والعقود الموثقة بالشهر العقاري كانت أدلة دامغة لا تقبل الشك. وجد سامح نفسه محاصرًا بين فكي الملاقط: إما دفع النصف مليون جنيه للتاجر عبد العظيم فورًا، أو مواجهة عقوبة السجن بتهمة النصب والاحتيال وتبديد الأمانة.
ولأن أمه لم تكن تملك هذا المبلغ، اضطرت تحت ضغط الخوف ورؤية ابنها خلف القضبان إلى بيع أرض صغيرة كانت تملكها في القرية ببدل بخس، لتسديد عربون التاجر وإنقاذ ابنها من ظلمات السجن، ليخرج سامح من هذه التجربة مكسورًا، مفلسًا، ومحاطًا بديون لا تنتهي. أما بالنسبة لي، فلم أتردد لحظة واحدة. رفعت دعوى طلاق للضرر مرفقة بكل إثباتات التآمر والسـ,ـرقة، وصدر الحكم لصالحي بسعة وسرعة. أخذت حريتي الكاملة، واسترجعت كافة حقوقي الشرعية والقانونية، ولم يعد لسامح ولا لأمه أي وجود في حياتي سوى كصفحة مطوية من الماضي الأليم.
في يوم الجمعة التالي لحصولي على وثيقة الطلاق، أعددت سفرة حافلة بكل ما تحبه أمي وإخواتي. فتحت أبواب بيتي -بيتي الحقيقي والشرعي- على مصراعيها، واستقبلتهم بالترحاب والابتسامة التي غابت عن وجهي لسنوات. جلست أمي على رأس السفرة، وبجوارها إخوتي يتضاحكون، وأنا أنظر إليهم بقلب مليء بالسكينة والامتنان. لم تعد هناك مكالمات هاتفية مسمومة قبل وصولهم، ولا تحذيرات زقاقية تتهمهم بأخذ راحتهم في بيت غيرهم.
تنفسّت عميقًا وأنا أوزع الأطباق عليهم، وأدركت حينها أن البيت لا يكون بيتًا بوجود الجدران والفرش فقط، بل بالحب والأمان والأصل الطيب. وأن من يسعى لحفر حفرة لأخيه أو تدبير المكائد للظلم، لا بد أن يقع فيها صريعًا بأعماله.