
بيدخل أدهم ورا جده المكتب، المكتب كبير وقديم وريحته خشب وكتب، الجد قعد على كرسيه الجلد الكبير وأدهم قعد قدامه على الكرسي الصغير وملامحه لسه مكشرة. الجد سكت شوية بيفكر وبص لأدهم وقال بقلق: “وبعدين يا أدهم.. هنعمل إيه مع وردة بنت عمك؟ البنت صغيرة وأنا خايف عليها.. بنت عمك طايشة وسهل أي حد يضحك عليها” أدهم اتعدل في قعدته وبص لجده وقال بجدية: “متقلقش يا جدي.. وردة صحيح صغيرة وطايشة بس هي متربية كويسة.. كل الحكاية إنها بتشوف البنات أصحابها بيعملوا إيه وعايزة تعمل زيهم”
الجد هز راسه وقال وهو بيبص لأدهم نظرة كلها ثقة: “خلي بالك منها يا أدهم.. عينك تبقى عليها في الجامعة.. أنا واثق في أخلاق حفيدتي بس خايف عليها من البنات أصحابها.. مش عايزهم يضحكوا على عقلها ويشجعوها على الغلط”
أدهم بص لجده بثقة وطمنه وقال: “متقلقش يا جدي.. انا هخلي بالي من وردة.. وردة في عيني” الجد هز راسه برضا وقال: “انا عارف انك قدها يا أدهم” أدهم خرج من أوضة المكتب وقفل الباب وراه، ولسه بياخد نفسه لقى وردة نازلة من على السلم من أوضتها.
كانت غيرت الفستان ولبست بيجامة بيت عادية، وشها لسه مضايق وعينيها حمرا من العياط. وردة وقفت قدامه ومسكت ايديها في بعض بتوتر وقالت بصوت واطي ومخنوق: “انا جاهزة” أدهم بص لها بنظرة طويلة وتفكير، فضل ساكت يبص لملامحها المضايقة وعينيها اللي بتهرب منه. أدهم بعد تفكير قال بهدوء: “تعالي معايا على الجنينة” وخرجوا هما الاتنين على الجنينة، الجو كان هادي ونسمة باردة، أدهم قعد على الكرسي الخشب الكبير ووردة قعدت قدامه على الكرسي التاني ومستنية ان هو يتكلم.
أدهم فضل يبصلها كتير ومبيتكلمش، عينه عليها وهي قاعدة متوترة بتلعب في صوابعها. وردة زهقت من السكوت فبصت له وقالت بتوتر: “هنعمل ايه؟” أدهم رد عليها بنبرة هادية بس عميقة وقال: “انتي عايزة ايه؟” وردة اتوترت اكتر ومش عارفة تقول له ايه، وطت راسها وسكتت. أدهم كان بيبصلها ومركز معاها وقال بصوت أوطى: “ردي يا وردة.. انتي عايزة ايه؟” وردة رفعت عينها بسرعة وقالت بتلعثم: “انا مش عايزة حاجة.. انا كنت هروح اذاكر مع صاحبتي وخلاص”
أدهم اول ما سمع الكلمة اتعصب وخبط على الترابيزة اللي قدامهم بايده جامد. أدهم قال بزعيق وعصبية: “لا مش عايز اسمع الكلمة دي تاني.. انتي هتذاكري هنا في البيت.. وكفاية دلع بقى” وزعق لها اكتر ووشه كله غضب. وردة خافت منه، قامت وقفت مرة واحدة وعينيها كلها دموع وقالت بصوت عالي وهي بتعيط: “انا بكرهك يا أدهم”
وجريت على أوضتها فوق وسابت الجنينة كلها. أدهم فضل واقف في الجنينة مكانه بعد ما وردة جريت، الكلمة لسه بترن في ودنه.
أدهم اتضايق منها لما نطقت كلمة بكرهك، الكلمة وجعته قوي، حس كأنها خبطته، وقف يبص على السلم اللي طلعت عليه وهي بتعيط. أدهم كلم نفسه بصوت واطي وغيظ مكتوم وقال بهزار يداري وجعه: “ماشي يا ورد.. واضح ان انتي عايزة تتربي من جديد” بداية يوم جديد.
الشمس طالعة والقصر كله بيصحى، وردة نازلة من أوضتها لابسة لبس الجامعة وشنطتها على كتفها عشان تروح الجامعة. أول ما نزلت على السلم لقت أدهم واقف قدامها، لابس قميصه وماسك مفاتيح عربيته وبيبص لها.
أدهم بص لها وقال: “رايحة فين؟” وردة اتوترت ومسكت شنطتها جامد وقالت: “رايحة الجامعة” أدهم قال ببرود وهو بيبص لها: “انا اللي هوصلك النهاردة” وردة بصت له باستغراب وقالت: “عايز توصلني ليه؟ انا بروح كل يوم لوحدي” أدهم بص لها بنظرة حاسمة وقال: “ده النظام الجديد.. تعالي ورايا” ومشي وخرج وهي وراه متضايقة وبتبرطم. وردة ركبت معاه العربية وهي متوترة وقاعدة بعيد عنه جنب الباب وبتبص من الشباك ومش بتتكلم. أدهم طول الطريق بيعاملها بطريقة ناشفة، سايق ومش بيبص لها ولا بيكلمها، وكل شوية يبص لها بصة غضب تخليها تتضايق وتزعل اكتر.
أول ما وصلوا الجامعة، وردة فتحت الباب ونزلت وهبدت الباب جامد بكل غيظ. أدهم اتنفض من صوت الباب واتضايق وبص لها بغضب. وردة اتحركت بسرعة على المدرج من غير ما تبص وراها. أدهم فضل قاعد في العربية ماسك الدركسيون وبيحاول يمسك أعصابه بالعافية وقال لنفسه: “ماشي يا وردة.. ماشي”
في نص اليوم. أدهم كان عنده محاضرة في المدرج الكبير، واقف بيشرح بكل هيبة والطلبة كلها مركزة معاه، بس هو كل شوية عينه تروح ناحية الشباك لا اراديا.
في نفس الوقت وردة كانت خلصت آخر محاضرة عندها وخرجت وهي تعبانة وراحت الكافتيريا هي وولاء صاحبتها. الكافتيريا زحمة وصوت الاغاني عالي، وردة قعدت هي وولاء على ترابيزة في النص وبيشربوا عصير وبيتكلموا. وهي قاعدة فجأة لقت معتز أخو ولاء جاي من بعيد، شاب وسيم ولابس شيك ، قرب منهم وقعد معاهم على نفس الترابيزة وهو بيبص لوردة بحب وعينه بتلمع. معتز بص لوردة وابتسم وقال: “ايه يا وردة.. ليه مجتيش امبارح عندنا عشان اذاكر لك انتي وولاء؟ ده انا كنت مستنيكي”
وردة اتوترت شوية وافتكرت كلام أدهم عن معتز، فحاولت تداري وقالت بكدبة سريعة: “معلش.. ماما كانت تعبانة شوية وانا قعدت معاها” معتز قال بحنية مصطنعة: “الف سلامة عليها.. وبعدين انتي متتعبيش نفسك في المذاكرة.. انتي تؤمري وانا اذاكر لك كل حاجة” وفضلوا يتكلموا، ومعتز بيهزر وبيحاول يكون لذيذ ودمه خفيف عشان يعجب وردة، ووردة بتضحك غصب عنها على هزاره. ولاء قاعدة جنبهم وفرحانة ان اخوها معجب بصاحبتها. في نفس اللحظة أدهم كان خلص المحاضرة وخرج يدور على وردة، طلع موبايله واتصل عليها.
الموبايل بيرن.. بيرن.. ومش بترد، وردة سايبة الشنطة بعيد ومش سامعة. أدهم بدأ يقلق عليها، قفل الموبايل وفضل يدور عليها في الطرقات، بيسأل طالب هنا وطالبة هنا. وهو ماشي بيدور، عينه جت من بعيد على الكافتيريا، شاف ترابيزة في النص، وردة قاعدة جنب معتز وبيضحكوا سوا ومعتز قريب منها قوي. أدهم وقف مكانه مرة واحدة، عينه ثبتت عليهم ووشه كله اتقلب غضب وغيره، وقبض ايده جامد… الكاتبة ملك إبراهيم.. يتبع في الجزء الثالث
الفصل الثاني
الكاتبة ملك إبراهيم
أدهم وقف اول ما شافها واتنهد بتعب: “وردة.. انتي واقفة كده ليه؟”
وردة بصت له مباشرة في عينه من غير لف ولا دوران، وعينيها فيها دموع محبوسة وسألته بصوت مخنوق: “انت بتحب دكتورة نسرين؟” أدهم وقف مكانه واتسمر، عينه في عين وردة. بيفكر في الرد وعينه متعلقة بيها: “احب مين.. انتي اتجننتي؟” وقبل ما الكلمة تطلع منه، اتقطعت اللحظة كلها على صوت كعب بيقرب من وراهم. والدة وردة، الست سناء، ست شيك وجميلة وطول الوقت شايلة هم بنتها، قربت منهم وهي شايلة صينية فيها كوبايتين عصير. سناء بصت لهم باستغراب وقالت: “في ايه؟ واقفين كده ليه قدام الباب؟ بتتخانقوا تاني؟”
أدهم بسرعة اتعدل وبص لوردة اللي وشها اتوتر اول ما شافت مامتها. وردة حاولت بسرعة تخفي دموعها اللي كانت هتنزل، وطت راسها وبصت لمامتها وابتسمت بالعافية.
