
الجزأ الرابع: كلمتي نزلت على جوزي وحماتي زي السكينة الحامية. حماتي أول ما سمعت سيرة كتابة الشقة باسمي، لولا العيب كانت قامت نتفت شعرها، وشها احمر وعروقها بارزت وقالت بصوت مكتوم: “تكتبلها الشقة؟ الشقة اللي دفعنا فيها دم قلبنا وشقا عمرك تروح للي سابتك في أول محطة وضيعت هيبتك قدام الناس؟”
كبير العيلة خبط بعصايته في الأرض وقالها: “جرى إيه يا أم أحمد؟ هو إحنا قاعدين في سوق؟ ابنك اللي قال بعضمة لسانه إنه مستعد يكتب الشقة مقابل إن مراته تشيل عنه المصيبة اللي هو فيها، وبعدين الشقة دي مش هي اللي اندفع فيها نص قسطها من شقا البنت دي ومرتبها اللي كان بيروح أول بأول؟ ولا أنتوا بتفتكروا الفلوس لما تعوزوها وتنسوها لما تيجوا تحاسبوا؟”
جوزي زعق لأمه لأول مرة في حياته، وقالها بقلة حيلة وكسرة: “بس بقى يا ماما.. بس وسيبيني في اللي أنا فيه! الشقة شقتي وأنا حر فيها، والفلوس اللي عليا لو مدفعتش هتحبس، ساعتها هتيجي تنفعيني أنتي ولا أخواتي؟” حماتي سكتت خالص ونظراتها ليا كانت بتطلع نار، وعرفت إن نفوذها على ابنها بدأ يتفرفر تحت رجليها بسبب الفقر والدين اللي حطت ابنها فيه. جوزي التفت ليا وقالي: “أنا موافق يا رومانة، بكره الصبح ننزل الشهر العقاري ونعمل التنازل والبيع والشراء، بس قوليلي إنك هترجعي معايا وتدفعي القسط اللي واقف ده عشان نخلص.”
بصيتله بمنتهى البرود وقولتله: “أنا قولت الشقة ده حق شقايا اللي فات.. يعني ده تمن السنين اللي طفحت فيها الدم معاك والكومنتات والفضايح اللي نزلتوها عليا. ده حساب قديم وبنقفله. أما بخصوص الرجوع.. فده حساب تاني خالص. أنا مش هأرجع الشقة دي تاني.” الكل اتصدم، وجوزي فتح بقه ومش فاهم: “يعني إيه مش هترجعي؟ أمال الشقة هتبقى باسمك إزاي وأنتي مش فيها؟”
قولتله: “الشقة دي هتتأجر.. إيجارها يدخل في جيب المدارس ومصاريف العيال، وأنت تقعد في أوضة عند والدتك اللي بتحب نضافتها وملاياتها، وتشتغل شغلانة تانية بعد الظهر عشان تسد باقي أقساطك اللي تخصك لوحدك. وأنا وولادي هنفضل قاعدين في بيت أمي معززين مكرمين، ولما أشوف رجولتك ورجوعك عن رمية ودنك لأمك، وأحس إنك بقيت راجل بجد وسند يشيل مش عيل بيشتكي، ساعتها هبقى أفكر إذا كنت هكمل معاك ولا ننهي الحكاية بالمعروف.”
جوزي حس إن الأرض بتلف بيه؛ يعني شقته هتتاخد منه وتتأجر، وهو هيرجع يقعد في بيت أمه مكسور الجناح، ومش كمان كدة.. ده هيشتغل ورديتين عشان يسد دينه من غير ما يشوف قرش من مرتبائي. حماتي قامت وقفت وقالت: “ده مش صلح، ده خراب بيوت وانتقام!” رديت عليها وأنا عيني في عينها: “ده اسمه أدب يا حماتي.. اللي بيته من إزاز ما يحدفش الناس بالطوب، واللي يصور حوض تلاجة عشان يذل بنت الأصول، يلف الزمن ويشوف ابنه وهو بيتنازل عن شقته عشان ينجد نفسه من الحبس.”
كبير العيلة قام وقال: “البنت بتتكلم بأصول وقانون يحميها ويحمي عيالها من غدركم، يا أحمد يا بني، قدامك حل من الاتنين؛ يا توافق على شروط مراتك وتصون بيتك وعيالك وتتربى من جديد، يا إما ترفض وتشوف المحاكم هتعمل فيك إيه في أقساطك وشيكاتك ومؤخر مراتك ونفقة عيالك.” جوزي بص في الأرض، والدموع نازلة من عينيه، وهز راسه بالموافقة وهو بيموت من الجوع والكسرة. تالت يوم الصبح، كنا واقفين في الشهر العقاري، ويمين بالله ما نزلتلي دمعة وأنا بخليه يمضي على عقد بيع الشقة ليا. مضى وهو إيده بترتعش، وأخدت العقود في الشنطة، وطلعت على مكتب عقارات وعرضت الشقة للإيجار فوراً.
حماتي لما لقت الشقة بتتأجر والفلوس داخله في جيبي، جالها الضغط ونامت في السرير من القهر، وجوزي شال شنطته ورجع لبيت أمه، بس المرة دي مش راجع عشان يغير الملاية كل يوم.. ده راجع وهم الدنيا فوق كتافه، ونظرة الجيران والناس ليه بقت نظرة تريقة بعد ما اتعرف إنه اتفضح وبقى عايش على قفى شروط مراته.
أما أنا.. فكنت قاعدة في بلكونة بيت أمي، بشرب شاي بالنعناع، وولادي حواليا بيضحكوا وبيلعبوا، وبصيت للسما وقولت: “الحمد لله اللي نصرني وجابلي حقي تالت ومتلت”. بس الحكاية لسه ما خلصتش.. لأن أحمد بعد شهرين من العيشة مع أمه والشغل ليل نهار، بدأ يخطط لحاجة تانية خالص عشان يرجع الشقة ويهد اللي أنا بنيته.. الجزأ الخامس (قبل الأخير):
بعد تلات شهور من العيشة في بيت أمه وشغله ورديتين زي ما شرطت عليه، أحمد بدأ يدوق المر اللي كنت بدوقه وأكتر. لقى نفسه بيصحى من نجمة الفجر ويرجع نص الليل، وضهره اتقطم من قلة النوم والمجهود عشان يسد قسط العربية ومصاريف العيال اللي مابقتش أتنازل عن مليم منها.
حماتي اللي كانت عاملة فيها “ست البيت المثالية” اللي ملاياتها بتتغير كل يوم، بدأت تزهق وتشتكي. أحمد كان بيرجع من الشغل مهدود، يادوب يرمي جسمه على السرير، فحماتي بدأت تتخانق معاه وتقوله: “أنت جاي تنام؟ ما تشوف أخواتك البنات عايزين إيه ومين هيجيب طلبات البيت؟ هو أنت كنت متجوزني أنا؟” هنا أحمد بدأ يفوق على الحقيقة المرة؛ عرف إن أمه كانت بتدلع عليه لما كان بيجيب فلوسه وفلوسي يحطها تحت رجليها، لكن لما رجع لها مكسور ومعهوش غير ديونه، لقت إنه بقى حمل تقيل عليها.
في الوقت ده، أنا كنت أجرت الشقة لعريس جديد بمبلغ محترم، والفلوس بقت تدخل في حسابي أول بأول، وشغلي ماشي زي الألف، وبقيت بشتري لعيالي أحسن لبس وأحسن أكل، ورجعتلي صحتي وروحي من بعد أيام النكد والهم. أحمد لما لقى نفسه بيغرق، وأمه بتعامله بجفاء، والشقة اللي شقي فيها بقت تحت إيدي وبإيجارها، الشيطان وزّه على حيلة جديدة ووسخة عشان يكسرني ويرجعلي الشقة ويجبرني أرجعله بشروطه هو. في يوم وأنا في الشغل، لقيت تليفوني بيرن، والرقم كان “أحمد”. رديت ببرود: “عايز إيه يا أحمد؟ مصاريف العيال لسه باقيلها أسبوع.”
رد عليا بصوت فيه نبرة غل وتحدي أنا ما سمعتهاش منه من يوم ما سبت البيت، وقال: “أنا مش بكلمك عشان مصاريف يا رومانة.. أنا بكلمك عشان أقولك إن العريس اللي مأجر الشقة، أنا هفسخ معاه العقد وهطرده بره.. والشقة دي هقفلها بالضبة والمفتاح.” ضحكت بسخرية وقولتله: “تطرد مين يا أبو أحمد؟ أنت نسيت إن الشقة بقت ملكي ومعايا عقد بيع نهائي وتنازل في الشهر العقاري؟ أعلى ما في خيلك اركبه.”