
“تلات سنين يا مصطفى.. تلات سنين شريف المستأجر هيدفع فيهم الإيجار في البنك، والفلوس دي أنا مش هصرف منها مليم واحد.. الفلوس دي هتتجاب بيها شهادات باسم محمود ونادية عشان أأمن ليهم مستقبلهم، عشان لما يكبروا يعرفوا إن جدتهم ‘فاطمة’ هي اللي سابتلهم قرش يحميهم من الزمن، مش أمهم اللي كانت بتجري ورا الشنط الماركة.” ميرفت ومصطفى بصوا لبعض، والذهول والكسوف غطا وشوشهم.. مكنوش متوقعين إن الفلوس اللي ميرفت كانت هتمـ,ـوت عليها، أنا شايلاها لعيالهم.
وقفت وقولت لهم بحسم: “يلا.. سموا الله وكلوا.. اللقمة فوق سطح فاطمة عبد الرحمن بتتاكل بنفس راضية، ومفيش هنا مرار ولا كسر نفس.. بس افتكروا كويس.. الأصول اللي بتتزرع بالوجع، هي اللي بتعيش.” ميرفت وطت على رجلي المرة دي باستها بجد، وقعدنا كلنا ناكل في هدوء مكنش موجود من سنين.. بس الحكاية لسه مخلصتش.. لأن الأيام لسه مخبية اختبارات تانية، وميرفت ومصطفى لازم يثبتوا إن الدرس اتفهم لآخر العمر. ## الجزء السادس: نار تحت الرماد
مرت السنتين الأولين من غير مشاكل تذكر. ميرفت بقت تيجي كل جمعة، إيديها اتعلمت الخشونة وبقا ليها في المطبخ والنضافة حِرفية، والعيال كبروا وبقوا يفهموا إن كلمة “تيته فاطمة” سيف على رقبة الكل. بس الدنيا مابتفضلش على حال واحد، والناس اللي طبعها نابع من الغيرة، بيفضل جواها نار تحت الرماد مستنية أي رشة هوا عشان تقيد من تاني. وفي يوم جمعة، ميرفت جت ووشها مقلوب.. مش النكد بتاع زمان، لأ، كان وش واحد شايل سر وهيفرقع منه. قعدت، وطبخت، ونضفت، بس كانت بتحدف المواعين وتخبط الأطباق ب غِل.
سبتها لما خلصت تماماً، وقعدت على كرسيّ الهزاز، وقولت لها بنبرة هادية بس تخوف: “جرى إيه يا ميرفت؟ شايفاكي بتعاملي الحيطة والأطباق كأنهم أعدائك.. في إيه في بطنك وعايزة تقوليه؟” ميرفت حطت الفوطة من إيدها بعصبية، وربعت إيدها وقالت بنبرة رجع فيها نِفس الغرور القديم: “الحقيقة يا حاجة فاطمة.. أنا ساكتة وصابرة بقالي سنتين. وبقول معلش، وبغسل وأكنس في شقة فيصل الضيقة اللي كاتمة على نفسي ونفس العيال.. بس لحد هنا ومبقاش ينفع السكوت.” مصطفى اتخض وبصلها بزجر: “ميرفت! اتلمي ولمي لسانك.. إنتِ هترجعي لقلة الأدب تاني؟”
ميرفت صـ,ـرخت في وش مصطفى: “لأ مش هسكت يا مصطفى! أمك مأمنة عيالك؟ كتر خيرها.. بس أمك مأمنة نفسها كمان على حساب شقانا! أنا عرفت بالصدفة من الست ماجدة صاحبتها، إن الأستاذ شريف المستأجر شقتنا في الشيخ زايد.. ساب الشقة من شهرين وعزل!” مصطفى برّق عينه وبصلي بتفاجؤ.. وأنا فضلت ثابتة مكاني، متهزتش فيا شعرة. كملت ميرفت بشر وبصوت عالي:
“الشقة فاضية بقالها شهرين يا مصطفى.. وأمك قافلاها بالضبة والمفتاح، ومخبية علينا! ومستخسرة ترجعنا بيتنا وعزنا، ومخليانا مرميين في فيصل، عشان تذلنا بالكنس والمسيح فوق السطوح! الشقة رجعت يا حاجة فاطمة.. ومن حقنا نرجع بيتنا.. ولا إحنا هنفضل خدم هنا لآخر العمر؟” مصطفى وقف وشه أحمر من الكسوف والغـ,ـضب، ورفع إيده وكان هيضربها، بس أنا رفعت صباعي الصغير وبصوت هز السطوح قولت: “نزل إيدك يا مصطفى!.. وسيبها تفرغ اللي في بطنها كله.” وقفت ومشيت بخطوات بطيئة لحد ما بقيت في وش ميرفت بالظبط، وبصيت في عينيها لحد ما شفت الرعـ,ـب رجع يترسم فيهم تاني.. قولت لها بصوت فاحل زي الحية:
“الشقة فضيت فعلاً من شهرين يا ميرفت.. وشريف سابها وعزل.. بس إنتِ عارفة أنا قفلتها ليه ومقولتلكوش؟” بلعت ريقها ومردتش.. كملت وأنا ببتسم بمرارة: “عشان كنت بعملكم الاختبار الأخير.. كنت مستنية أشوفك لما تشمي خبر إن الشقة فضيت، هل هتقولي ‘يا مصطفى خدني نروح لأمك نقنعها نرجع كلنا نقعد معاها في الشيخ زايد ونخدمها في بيتها وسط عيالها’.. ولا هيرجع فيكي عرق السواد وتقولي ‘بيتنا وعزنا وإحنا مش خدم’؟” بصيت لمصطفى وقولتله:
“شفت يا ابن بطني؟ الوشوش بتنضف.. بس القلوب السودة بتاخد وقت عقبال ما تتغسل.. تمن شهور في بيت أبوها وسنتين في فيصل مغيروش في ميرفت غير القشرة البرانية.. بس من جوه، لسه شايفة إن فاطمة عبد الرحمن مكانها تخدمها هي وعيالها.” ميرفت رجعت لورا وهي بتـ,ـعيط بخـ,ـوف: “يا حاجة أنا مقصديش—” قاطعتها بكلمة واحدة زي الطلقة:
“إخرسي!.. الشقة اللي في الشيخ زايد، أنا عرضتها للبيع من أسبوع.. والفلوس هتدخل في مشروع باسم مصطفى وعياله، بشرط.. إن الشقة دي يتكتب في عقد بيعها إن ميرفت ملهاش حق تدوس عتبتها لحد ما تتسلم لأصحابها الجداد.. وإنتِ يا ميرفت.. هترجعي فيصل، والجمعة الجاية لو رجلك عتبت السطوح ده.. هكون مخلية مصطفى كاتب كتابك على بيت أبوكي ورايحالك ورقتك هناك.” اتلفت ودخلت أوضتي وقفت الباب ورايا.. وسيبتهم في نار الندم الحقيقي.. الندم اللي ملوش رجوع. لأن الحكاية خلاص بتخلص.. والجمعة الجاية هتبقى القفلة الكبيرة لكل واحد فيهم.
## الجزء السابع والأخير: هيبة فاطمة الباب المقفول كان بيفصل بيني وبينهم، بس صوت بكا ميرفت ونحيبها كان مغرق السطوح. سمعت مصطفى وهو بيجرها من إيدها وبيرميها برا الباب وهو بيـ,ـصرخ فيها بصوت مكتوم: “خربتي بيتك بإيدك.. ضيعتينا وضيعتي نفسك!” في الليلة دي، مكنتش زعـ,ـلانة. بالعكس، حسيت براحة غريبة.. كنت نايمة على سريري القديم في السيدة زينب، وصوت تواشيح الفجر شغال في الراديو الصغير جمبي، وحاسة إن كل ركن في حياتي رجع لمكانه الصح بالملي. فاطمة عبد الرحمن مبقتش الست الكبيرة المكسورة اللي بتداري دموعها في طبق نضيف.. فاطمة رجعت الست اللي بتعلم الكل الأدب والأصول بالمسطرة.
مر أسبوع.. وجيه يوم الجمعة الموعود. صحيت الصبح، لبست عبايتي الشياكة، ولفيت طرحتي، وقعدت على الكرسي الهزاز وأنا بقرأ القرآن. الشمس كانت طالعة صافية، والجو رايق ونضيف. الساعة دقت عشرة الصبح.. والباب خبط. فتحت الباب.. ومكنتش متفاجئة من اللي شفته. مصطفى كان واقف لوحده، شايل العيال محمود ونادية في إيديه، ووشه في الأرض. وبمجرد ما فتحت، العيال جريوا عليا وحضنوا رجلي وهم بيقولوا: “وحشتينا يا تيته.. إحنا ملناش بركة إلا إنتِ.” بصيت ورا مصطفى على السلم.. مكنش فيه حد. ميرفت مجـ,ـتش.
مصطفى وطى على إيدي، باسها بدموع ونبرة صوت مكسورة تمامًا وقال: “حقك عليا يا أمي.. ميرفت في بيت أبوها من يوم الجمعة اللي فاتت، وأنا نفذت كلمتك بالظبط.. ورقتها هتوصلها الأسبوع ده. اللي تدوس على أصل الأصول ومتحترمش الست اللي شقيت عشان تبني البيت، متستاهلش تكون أم لعيالي ولا زوجة تشيل اسمي.”
