
بصيت في وش ابني.. شفت في عينه الراجل اللي كنت أتمنى أشوفه من سنين. الراجل اللي بيعرف يقول “لأ” للغلط، الراجل اللي بيصون أمه ويخاف على زعلها قبل أي حد في الدنيا. سحبت إيد مصطفى، وطبطبت على كتفه، وقولتله بنبرة حنينة لأول مرة من سنين: “ادخل يا مصطفى.. ادخل يا ابني وخد عيالك.” قعدنا على الطبلية، والعيال بيلعبوا حوالينا فرحانين بالسطوح والزرع. طلعت من جيب عبايتي دفتر شيكات، وحطيته قدام مصطفى، وجمبه مفتاح جديد برنة تقيلة ترد الروح.
مصطفى بص للحاجة وبصلي باستغراب: “إيه ده يا أمي؟” ابتسمت وقولتله: “ده مفتاح شقتك الجديدة.. شقة ملك باسمك وباسم عيالك في مكان نضيف وأحسن من الشيخ زايد كمان.. ودي الفلوس اللي طلعت من بيعة الشقة القديمة ومقدم إيجار السنتين اللي فاتوا.. حطيتهم في حسابك عشان تبدأ بيهم مشروعك الكبير وتكبر وتعتمد على نفسك.” مصطفى برّق عينه والدموع نزلت من عينه زي المطر: “أمي.. إنتِ مبعتيش الشقة عشان تعاقبيني؟ إنتِ عملتي كل ده عشاننا؟” رجعت ضهري لورا على الكرسي الهزاز وقولتله بكل هيبة:
“يا مصطفى.. الأم عمرها ما بتكره ضناها، ولا بتبخل عليه بشقا عمرها. أنا كنت بقسى عليك وعلى مراتك عشان أربيك وأربيها. كنت عايزاك ترجع راجل، وكنت عايزاها تعرف إن البيوت ليها كبار، وإن كرامة الحما من كرامة الجوز. الشقة دي ملكك وملك عيالك.. وميرفت.. سيبها في بيت أبوها كام شهر كمان، لحد ما تتربى على العيشة الناشفة بجد، ولما تلاقيها عرفت قيمة القرش وقيمة الأصول وقيمة الست اللي صانت بيتها.. ابقى رجعها، بس بشرط.. ترجع على شروطك إنت، وتعيش في بيتك كِنة مؤدبة تعرف الأصول.. مش هانم بتتأمر على اللي أكبر منها.”
مصطفى رمى نفسه تحت رجلي وفضل يـ,ـبكي ويبوسها وهو بيقول: “ربنا ما يحرمني منك يا أمي.. بركتك هي اللي هتوقفني على رجلي تاني.. أنا اتعلمت الدرس، وعيالي كمان اتعلموه.” قمت وقفت عند سور السطوح، وبصيت على البيوت القديمة والمآذن، وحسيت بنسمة هوا باردة غسلت كل سنين الشقى والغربة. الحكاية مكنتش حكاية شقة، ولا حكاية مصيف في راس البر.. الحكاية كانت حكاية “كرامة الست”. والست اللي تتعب وتشقى في شبابها، لازم تعيش ملكة في كبرها.. والكل يوطي يـ,ـبوس إيدها.
بصيت لعيال ابني وهم بيضحكوا، ولمصطفى وهو باصصلي بكل فخر واحترام.. وساعتها بس، قفلت كتاب الماضي وأنا مرتاحة.. لأن فاطمة عبد الرحمن، رجعت هيبتها.. وكتبت السطر الأخير في حكايتها بنصر عظيم.
